أرجعت جميع وسائل الإعلام الغربية، إلاّ القليل منها، الحرب العدوانية الأخيرة على لبنان، إلى كونها ردّة فعل على اعتقال الجنديين الإسرائيليين، مع أنّ هذه الحرب كانت في الحقيقة ثمرة تحضيرات طويلة تعود في جذورها إلى صلب مشروع المحافظين الجدد حول "الشرق الأوسط الجديد".
وفي مقالة طويلة، ننشر القسم الأول منها، يحلل يورغن كاين كولبل التفاهمات والاتفاقات التي تمت بين واشنطن وتل أبيب وأدّت إلى العدوان الغاشم على لبنان:
اعتراف إيهود أولمرت المتأخر:
يثمّن إيهود أولمرت عمل من يسمون "أصحاب نظرية المؤامرة" عالياً كما لم يفعل سياسي آخر من قبل. هؤلاء الذين "يريدون بنظرياتهم الخبيثة المنكرة، … أن يحولوا الأنظار عن المجرم الحقيقي". ولكن هذه الفصيلة من الزنادقة، التي تتكوّن أساساً من الصحافيين والمراسلين الذين "شذّوا عن العرف الصحفي السليم لينخرطوا في تبادل معلومات حرٍّ بعيد عن كل رقابة فكرية"، وهم الذين "يفترض أن يتابعوا عملهم هذا في مهاجرهم … كما تتوقع منهم وسائل الإعلام كسلطة رابعة في الأنظمة الديمقراطية." (1)
قام أولمرت بعمله "الفروسي" الأول في كانون الأول 2006، حينما صنّف إسرائيل رسمياً بين القوى النووية في العالم، وهذا ما لم يشكك به "أصحاب نظرية المؤامرة" مطلقاً. وقد اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولو بشكل غير مباشر، أمام محطة تلفزيونية ألمانية، أنّ بلاده تمتلك أسلحةً نووية. أمّا عمله "الفروسي" الثاني، فكان اعترافه في الأول من شباط 2007، أمام لجنة فينوغراد، التي تحقق في نتائج الحرب الأخيرة ضد لبنان، أن الجيش الإسرائيلي كان قد أعدّ العدّة " لعملية عسكرية واسعة ضد لبنان" فيما إذا اختُطِف جنود إسرائيليون. وكانت الخطط اللازمة جاهزةً في الأدراج.
وفي يوم الخميس الثامن من آذار الجاري، أذاعت محطة تلفزيون المنار، أنّ "رئيس وزراء إسرائيل، إيهود أولمرت، قد اعترف أنّ قرار حرب تموز كان قد اتُّخذ قبل العملية العسكرية التي اختطف خلالها الجنديان الإسرائيليان بأربعة أشهر." وقد أكّد السيد حسن نصر الله، أمين عام حزب الله، طيلة الحرب، أنّ: "إسرائيل قد حضّرت للحرب قبل أسر الجنديين الإسرائيليين، إيهود غولدفاسر وعلداد رجيف، بفترة طويلة، واستغلّت هذه الحادثة لتشنّ الحرب."
وهكذا اتضح الأمر وعُرف الكاذب. ومع ذلك فليست اعترافات أولمرت سوى نصف الحقيقة، لأنّ الولايات المتحدة الأمريكية كانت أيضاً متورطةً في التخطيط لهذه الحرب. فقد ألقت ميراف وورمزر، زوجة دافيد وورمزر، مستشار نائب الرئيس تشيني، لشؤون الشرق الأوسط، ومديرة مركز سياسات الشرق الأوسط في معهد هدسون للأبحاث في واشنطن، الضوء على حقيقة الأمر باعترافها: "أنّ حزب الله قد انتصر على الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب وأنّ هذه هي الحرب الأولى التي تخسرها إسرائيل… ولا ريب أنّ هناك تذمّراً لأن إسرائيل لم تشنّ الحرب ضد سوريا. ويعتقد قسم كبير من الإدارة الأمريكية أنّ إسرائيل كان عليها أن تشنّ حربها ضد العدو الحقيقي الذي هو سوريا وليس حزب الله، وكان الأمل معقوداً لفترة طويلة على أنّ إسرائيل ستمتد بحملاتها العسكرية إلى الجبهة السورية أيضاً."(2) ولا ريب أنّ هذه العملية قد احتاجت لخطط عسكرية واسعة لا تستطيع أركان الجيش الإسرائيلي أن تحيكها في ساعات قلائل.
يؤكد التاريخ أنّ الدول التي تقوم بشنّ حروب عدوانية، تسعى دائماً لخداع شعوبها والشعوب الأخرى دوماً عن الدوافع والأسباب الحقيقية لعملياتها العدوانية. الأمثلة على ذلك كثيرة، منها الهجوم الذي شنّه الفاشيون الألمان على إذاعة غلايفيتس، الذي كان حجة لاجتياح بولونيا وأدّى بالتالي إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية. أو حادثة خليج تونكينغ التي استغلّها الأمريكيون لغزو فيتنام. وأخيراً وليس آخراً، تلك الأدلّة المزوّرة على وجود أسلحة دمار شامل في العراق، التي أعطت الإدارة الأمريكية الملطّخة أيديها بالنفط والدم، الحجة لتمزيق العراف، بلد النفط.
ترجع مساهمة إسرائيل حديثاً في السلب والنهب الدوليين اللذين ابتلت بهما "الديمقراطية الدولية" عالمَنا أكثر من أي وقت مضى، وخاصّةً بعد وصول بوش الابن وعصابته إلى السلطة، إلى خليط من الأسباب: فإسرائيل تسعى منذ سنوات، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلى "بلقنة" المشرق العربي لضمان أمن الدولة اليهودية من "المخاطر المزعومة" من قِبَل الدول العربية المجاورة لها. وليست حماية حدود الدولة العبرية، وخاصةً الشمالية، والقضاء التام على حزب الله الشيعي الذي يدافع ببسالة عن الحدود من جانبها اللبناني، إلاّ غيضاً من فيض تلك "المهام" التي نذرت نفسها إسرائيل لحلّها. أمّا "ثورة الأرز" الاصطناعية، في لبنان فلم تأت لإسرائيل بالمكاسب التي كانت ترجوها. وكانت حكومة بيروت أضعف وأعجز من أن تلبي رغبات الإدارة الأمريكية وحكومة تل أبيب في نزع سلاح الميليشيات. لا بل على العكس، فقد وجدت إسرائيل نفسها، قبيل اندلاع الحرب، مرمية على أرض الحلبة كملاكم مهزوم، لأن بعض الأدلة كان قد بدأ بالظهور في ذلك الوقت، هذه الأدلة التي تشير إلى تورط المخابرات الخارجية للدولة اليهودية بعمليات اغتيال وتفجيرات ضد مسؤولين فلسطينيين وقادة من حزب الله، ولأنّه ظهرت كذلك بعض القرائن والبيّنات على أنّ إسرائيل، وليس سورية، هي التي يمكن أن تكون وراء اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
ومع أنّ هذه الحرب التي كانت إسرائيل تخطط لها منذ فترة طويلة، اندلعت لظروف استثنائية، وتحولت إلى اندحار عسكري وتهافت سياسي للمعتدين، فقد أظهرت بجلاء أنّ الحرب التي قامت بها الآلة العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان، دلّت بوضوح على أنّ معارك القرن الحادي والعشرين ستكون بأساليب إجرامية لا رادع لها وبشكل غير مسبوق؛ فهي ستتخذ شكل الإرهاب الذي لا يبقي ولا يذر يهاجم المدنيين ويقضي على البنى التحتية المدنية الحيوية حتى تستنزف طاقات الشعوب وتذيقها مرّ العذاب. ولم تتحرك "الديمقراطية الدولية" أو الأمم المتحدة لتدين هذا العقاب الجماعي للشعب اللبناني وتدمير المؤسسات الإنتاجية والغذائية والمدارس والمستشفيات وسيارات الإسعاف وقوافل الهاربين من جحيم العدوان الإسرائيلي وكذلك مهاجمة الأحياء المكتظة وتدمير الجسور والطرقات. بل على العكس فإنّ ساسة الولايات المتحدة الأمريكية وزعماء الاتحاد الأوروبي، ومن بينهم المستشارة الألمانية ميركل، هم الذين عملوا على تأخير وقف إطلاق النار ومدحوا المعتدي الإسرائيلي، ولو بشكل غير مباشر، من خلال سكوتهم عن استخدام القنابل الفوسفورية والقنابل العنقودية وذخيرة اليورانيوم المنضّب المحرمة دولياً وربما لم يجرؤا على توجيه كلمة انتقاد واحدة.
عملية كوماندوس إسرائيلية:
بعد أن أطلق وزير الحرب الإسرائيلي عمير بيريتس، صيحة الحرب في 12 تموز 2006 وأعطى سلاحه الجوي الأمر "بضرب مواقع حزب الله وتدمير البنى التحتية المدنية في لبنان"، وبعد عدة أيّام من بداية هذا العدوان، استوعب فؤاد السنيورة، رئيس وزراء لبنان، أنْ ليس حزب الله وإنّما "لبنان هو الذي يتمزق". فقد اتخذت حكومة تل أبيب من أسر رجال حزب الله للجنديين الإسرائيليين إيهود غولدفاسر وإلداد رِغيف صبيحة 12 تموز، ذريعةً لشن عدوانها الواسع والهمجي. ما الذي حدث؟ في التاسعة وخمس دقائق بالضبط من صبيحة ذلك اليوم الأربعاء، أعلنت المقاومة الوطنية اللبنانية عبر تلفزيون المنار أنّ رجال المقاومة هاجموا دورية إسرائيلية قرب الحدود واستطاعوا أسر اثنين من الجنود الإسرائيليين. كما قال السيد حسن نصر الله: "إن حزب الله يخطط لهذه العملية منذ قرابة خمسة أشهر". وقد ذكر فيليب أبي عقل في صحيفة دايلي ستار اللبنانية المحافظة أنّ "رجال المقاومة أرادوا، بهذا الأسر، أن يوفوا بوعد قطعوه للشعب اللبناني، وهذا ما سيساعد في عملية تبادلٍ لتحرير الأسرى اللبنانيين" (3). وقد وضّح الدكتور مازن قمصية، المحاضر السابق في جامعتي ديوك ويال، ومؤلف كتاب "تقاسم بلاد كنعان" أنّ "حزب الله حركة مقاومة مسلحة لبنانية تم تأسيسها بعد الغزو الإسرائيلي للبنان. ونذكر أصحاب الذاكرة الضعيفة أنّ سلطات الاحتلال الإسرائيلية قد قتلت عشرات الآلاف من اللبنانيين واللاجئين الفلسطينيين سنة 1982 في لبنان. وقد حصل حزب الله على احترامٍ وتأييدٍ واسعين بين كل شرائح المجتمع اللبناني وطوائفه، بما في ذلك المسيحيون، لأنه استطاع بمقاومته الباسلة طرد المحتلين الإسرائيليين من القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية. إلاّ أنّ إسرائيل لا تزال تحتل قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ومزارع شبعا والجولان. كذلك فإنّ إسرائيل لا تزال تنتهك القانون الدولي بعدم سماحها للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم وأملاكهم. والأهم من ذلك أنّ إسرائيل لا تزال تحتجز في سجونها العديد من اللبنانيين وما يربو على عشرة آلاف من الفلسطينيين الذين يتعرضون للتعذيب بشتى أنواعه. أما حكاية اختطاف الإسرائيليين لفلسطينيين ولبنانيين فهي حكاية طويلة." (4)
ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية صبيحة يوم الاعتقال أنّه بحسب معلومات الشرطة اللبنانية فقد "تم اعتقال الجنديين الإسرائيليين على أرضٍ لبنانية في عيتا الشعب على مقربة من الحدود، حيث كانت دورية إسرائيلية قد تجاوزت الحدود إلى لبنان." كما ذكر موقع ريسو فولتير الإلكتروني الفرنسي "أنّ الجيش الإسرائيلي قد أرسل عن سابق قصد وتصميم، وحدة عسكرية إلى داخل الأراضي اللبنانية بالقرب من عيتا الشعب، حيث هاجمها مقاومو حزب الله وكان ذلك ذريعة للهجوم على لبنان." كذلك أكّدت صحيفة لا ريبوبليكا الإيطالية، استناداً إلى مصادرها، أنّ الاعتقال حدث على الأراضي اللبنانية.
وقد اشتكى الفرنسيون الموقع الفرنسي المذكور، من أنّ "الصحافة الغربية رضيت بالرواية المجتزأة للأحداث، التي أُعطيت لها بناءً على تعليمات العقيد سيما فاكنين-غيل، رئيس الرقابة العسكرية الإسرائيلية." ويناءً على أوامر الرقابة العسكرية امتنعت وسائل الإعلام ووكالات الأنباء التي لها مراسلون معتمدون في إسرائيل، عن إخبار قارئيها عن المكان الذي اعتُقل فيه الجنديان الإسرائيليان. وقد تم إلغاء الترخيص الذي كان قد أُعطي للصحافية السويسرية التي تعمل لصالح الموقع الإلكتروني الفرنسي ريسو فولتير، لأنها رفضت الانصياع لهذه الأوامر. (5)
أمّا من وجهة نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت، فقد تم "اختطاف" الجنديين في أراض إسرائيلية. وقد صرّح أولمرت، بحضور رئيس الوزراء الياباني وفي مؤتمر صحافي، أنّ "هذه الحادثة التي تمت صبيحة هذا اليوم ليست عملاً إرهابياً وإنّما عمل قامت به دولة ذات سيادة واعتدت على إسرائيل دون مسوّغ، وسوف يدفع لبنان الثمن غالياً." وأعلن عن "ضرباتٍ مؤلمةٍ وشاملة." ويبدو جلياً أنّ وزير الحرب عمير بيريتس وجهاز الاستخبارات الإسرائيلي كانا قد أعدّا العدّة منذ أمد طويل لضربة قاسية. ولم تتم عملية أسر الجنديين ونشر خبرها حتى كانت القوات الإسرائيلية تزحف إلى لبنان. وليس استدعاء الاحتياط السريع وتوسيع العمليات إلا دليلين واضحين على أنّ خطّة شاملة متكاملة لغزو لبنان، كانت في أدراج الحكومة الإسرائيلية قبل حادثة أسر الجنديين بفترة طويلة. وليست الغارات الجوية التي استهدفت مواقع حساسة بكل دقّة، هي وحدها التي تبيّن مدى المعلومات التفصيلية التي حصلت عليها الاستخبارات الخارجية للدولة العبرية بالتعاون مع عملائها في لبنان. وقد كان لدى الإسرائيليين معلومات دقيقة عن كل ما يمكن أن يكون هدفاً بما في ذلك المطاعم والمدارس والمعامل الصغيرة. وقد اعتقد بيريتس أنّه سينفّذ وعده "بإعادة لبنان خمسين عاماً إلى الوراء." (6)
حرب على الرمل ضد لبنان:
صرّح جيرالد شتاينبرغ، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان في رامات غان، بعد أيام قلائل من بداية العدوان على لبنان، أنّ "إسرائيل لم تعدّ لأي من حروبها السابقة منذ 1948 كما أعدّت لهذه الحرب." ولم يتردد هذا الأكاديمي الذي يعمل أيضاً لصالح وزارة الخارجية الإسرائيلية ومجلس الأمن القومي الإسرائيلي بالقول: "إنّ الاستعدادات لهذه الحرب كانت قد بدأت بشكل أو بآخر، منذ أيار 2000 بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان. وفي سنة 2004 كانت خطة هذه الحرب، التي نعيشها الآن، قد اكتملت ووُضعت لتنتهي بعد ثلاثة أسابيع من بدئها فقط. كما تم تمثيلها على طاولة من الرمل." (7)
وقد أكّد ماثيو كالمان على صحة ذلك في مجلة سان فرنسيسكو كرونيكلز بتاريخ 21 تموز 2006 بالقول: "منذ أكثر من سنة ابتدأ ضابط إسرائيلي رفيع، بالتعاون مع دبلوماسيين أمريكيين وصحافيين ومراكز دراسات، بتمثيل خطط حربية واستعراضها فيما بينهم بمنأىً عن الجمهور ووضعوا خطة مفصلة لهذه الحرب التي تجري الآن." كما قدّم القادة العسكريون خطة لغزو لبنان على مدى ثلاثة أسابيع: "تتركز عمليات الأسبوع الأول على تدمير صواريخ حزب الله ومراكز القيادة والمراقبة وعلى قطع شرايين النقل والاتصالات. وفي الأسبوع الثاني يتحول التركيز إلى مهاجمة قواعد إطلاق الصواريخ ومستودعات الأسلحة. أمّا الأسبوع الثالث فلدخول أعداد كبيرة من القوات البرية … للقضاء على بعض المواقع التي حُدِّدت في عمليات الاستطلاع… إلاّ أنّه لم تكن هناك خطة للبقاء في لبنان لوقت طويل." أمّا موشيه مرزوق، وهو ضابط سابق في الاستخبارات الإسرائيلية ويعمل حالياً في مركز مكافحة الإرهاب في هرتزليا، فقد علّق بالقول: "لقد تعلمت إسرائيل من تجاربها وصراعاتها في لبنان وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك من خبرات الأمريكيين في أفغانستان والعراق، أنّ الحملات العسكرية التقليدية لم تعد مجدية." إنّ شهوة الإسرائيليين للهجوم على لبنان بأي شكل كان، تدغدغ أحلامهم منذ ما لا يقل عن عقد من السنين. (8)
إعلان حربٍ على المشرق العربي:
كتب العميل السابق للاستخبارات القومية الأمريكية، واين مادسون، في 22 تموز 2006 : "لقد تم الاتفاق على هذا الغزو في 17 و 18 حزيران 2006 في بيفر كريك في كولورادو، بين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو وعضو الكنيست ناتان شارانسكي من جهة ونائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني من جهة أخرى، أثناء انعقاد مؤتمر لمعهد الدراسات الأمريكي الذي يشرف عليه المحافظون الجدد." وما إن أعطى تشيني "الضوء الأخضر، حتى عاد نتنياهو إلى إسرائيل واجتمع برؤساء الحكومة السابقين وأبلغهم موافقة إدارة بوش على ذلك."(9)
لم تكن تلك المقابلة المذكورة بين تشيني ونتنياهو دون واقعية ملفتة للنظر. فقد وضعت مجموعة الدراسات لإستراتيجية إسرائيلية جديدة في القرن الحادي والعشرين، وهي مجموعة من المحافظين الجدد في المعهد الخاص للدراسات الإستراتيجية والسياسية المتقدمة، سنة 1996، وثيقة تخطيطية مريبة تحت عنوان: "إستراتيجية جديدة لإنقاذ العالم" لصالح رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، بنيامين نتنياهو.(10) وفي هذه الوثيقة الحربية شديدة اللهجة، أصرّ الإستراتيجيون المحافظون الجدد، على أنّ على إسرائيل أن تلغي اتفاق السلام الذي عقدته مع الفلسطينيين في أوسلو بشكل نهائي وتعيد احتلال المناطق الفلسطينية "وتهاجم حزب الله وسوريا وإيران إذ إنّهم هم المعتدون الرئيسيون في لبنان." وكانت المجموعة التي وضعت هذا الكُتيّب، تحت إشراف ديك تشيني المباشر، وبرئاسة ريتشارد بيرل، "أمير الظلام" الذي كان أحد أسوأ دعاة الحرب ضد العراق في حكومة بوش الابن الأولى. وممن ساهم في العمل أيضاً موظفون في مكتب تشيني مثل دوغلاس فايث ودافيد وورمزر ، وهم جميعاً أعضاء في ما يسمى "الحلقة الذهبية" التي تشكل القيادة المركزية للجمعية الأمريكية من أجل لبنان الحر ، التي سنتكلم عنها لاحقاً.
في هذه الدراسة التي أطلق عليها اسم "كلين بريك"نقرأ ما يلي: "سوريا تهدد إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وعلى إسرائيل أن تهاجم حزب الله وسوريا وإيران باعتبارهم المعتدين الرئيسيين في لبنان: ضربات جوية على المنشآت العسكرية السورية في لبنان، وإذا لم يأت ذلك بالفائدة المرجوة فلتكن الضربات على أهداف مختارة في سوريا نفسها."(11) بالإضافة إلى ذلك "على إسرائيل أن تستخدم بعض جهات المعارضة اللبنانية ٌضعاف السيطرة السورية في لبنان". كما تستطيع الجماعات اللبنانية المرتبطة بإسرائيل أن "تهاجم أهدافاً سوريةً في لبنان، أو إذا لم يكن ذلك كافياً تستطيع إسرائيل أن تهاجم أهدافاً مختارةً في سوريا، وتبرهن بذلك على أنّ الأراضي السورية نفسها ليست عصيّةً على الضربات الإسرائيلية". ومن الطبيعي وجوب إسقاط نظام صدّام حسين في العراق. إذ إنّه في النهاية لا مناص من إنشاء "الشرق الأوسط الجديد" الذي يتكوّن من دول ضعيفة تمزّقها الخلافات وتحكمها حكومات عميلة لتبقى إسرائيل السلطة المهيمنة الوحيدة في المنطقة بلا منازع. نعم إنّه ذاك "الشرق الأوسط الجديد" الذي بشّرت به وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إبّان العدوان الإسرائيلي في تموز الماضي.
تورط الولايات المتحدة الأمريكية في الاستعدادات الحربية الإسرائيلية:
نشر الصحافي الأمريكي الشهير وحامل جائزة بوليتزر، سيمور هيرش، بتاريخ 14 آب 2006 في مجلة "ذي نيو يوركر" تقريراً تحت عنوان: "مراقبة لبنان"(12) وأكّد فيه أنّ يداً طولى قد خططت للحرب الإسرائيلية الأخيرة ضد لبنان. وينسب هيرش معلوماته إلى جهات حكومية واستخباراتية، لا يفصح عنها ويؤكد أنّها أبلغته أنّ اختطاف الجنديين الإسرائيليين كان سبباً مباشراً ومرحّباً به للبدء بالحرب التي خطط لها الإستراتيجيون الإسرائيليون منذ أمدٍ طويل.
وأضاف هيرش في تقريره "في بداية هذا الصيف" غادر دبلوماسيون إسرائيليون إلى واشنطن ليعودوا "بالضوء الأخضر" لهذا العدوان وليستشعروا مدى موافقة واشنطن على دعم إجراءٍ كهذا. وهذا ما يتطابق مع أبحاث مادسون. ويزيد هيرش بالقول إنّ الإسرائيليين "أوقعوا نائب الرئيس ديك تشيني أولاً في شباكهم، لأن إقناع بوش لم يكن يوماً أمراً عسيراً". ووفق تصريح أعطاه خبير في شؤون الشرق الأوسط لم يُرد ذكر اسمه، أنّ لدى بوش مسوّغات كثيرة لدعم الهجوم العسكري الإسرائيلي، إذ يقول: "أراد بوش أمرين اثنين؛ كان يلاحق إيران كجزءٍ من محور الشر الذي يمتلك منشآت نووية، ومن منظار رؤيته لمصالحه في تحقيق الديمقراطية أراد الهجوم على حزب الله ليجعل لبنان جوهرة في تاج الديمقراطية في الشرق الأوسط". لقد أراد بوش قبل كل شيء أن يرى جميع أسلحة حزب الله وقد دُمّرت، حتى يضمن عدم ضربات ثأرية لحزب الله ضد إسرائيل، فيما إذا قامت الولايات المتحدة بضرب منشآت إيران النووية.
صرّح ضابط استخبارات سابق بالقول: "نحن نقول للإسرائيليين: إذا أردتم أن تقوموا بذلك فنحن وراءكم على طول الخط. ولكننا نعتقد أنّ ذلك يجب أن يتم اليوم قبل الغد. وكلّما تأخرتم بذلك كان الوقت لدينا أقل للتقويم وللتخطيط ضد إيران في الفترة القصيرة المتبقية للرئيس يوش في منصبه." وقد أمِل العسكريون الأمريكيون بالحصول على معلومات إضافية بعد الضربات الجوية الإسرائيلية لمنظومات الأنفاق والمخابئ لدى حزب الله، ظنّاً منهم أنّها تشابه مثيلاتها الإيرانية إلى حدّ بعيد. وفي الواقع فإنّ مشاورات تجري منذ ربيع سنة 2006 بين كبار المخططين في سلاح الجو الأمريكي، بناءً على طلب مُلِحٍّ من البيت الأبيض، مع عسكريين إسرائيليين حول ضربات جوية محتملة لمنشآت إيران النووية. وقد أعطى ضابط المخابرات السابق هذا، تصريحاً رسمياً قال فيه: "إنّ المسألة الكبرى بالنسبة لسلاحنا الجوي تتلخص بكيفية تحقيق النجاح بإصابة الأهداف الصعبة في إيران. فالجميع يعرف أنّ مهندسين إيرانيين هم الذين قدّموا المشورة الفنية لحزب الله في بناء منظومة الأنفاق ومستودعات الأسلحة تحت الأرضية. لذلك ذهب السلاح الجوي الأمريكي بأساليب تكتيكية جديدة إلى الإسرائيليين ليقول لهم: ‘دعونا نركز على القصف الجوي ونتبادل ما نعرفه عن إيران مع ما تعرفونه عن لبنان’ ". وكان وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، مطّلعاً على ذلك كلّه.
وقد أرادت إسرائيل بضرباتها الجوية الهادفة والمدمّرة للبنى التحتية في لبنان، أن تثير حقد المواطنين المسيحيين والسنّة ضد حزب الله. ويقول هيرش في هذا السياق، كان المطلوب أن تكون حملات القصف الإسرائيلية "صورة نموذجية لما خططت له الولايات المتحدة في إيران". ولكنّ حكومتي واشنطن وتل أبيب أنكرتا بشدة أقوال هيرش.
وهكذا فإنّ قول الرئيس الأمريكي جورج بوش في ربيع 2006، والذي نقلته صحيفة الديار اللبنانية عن هذا التكساسي ومضمونه أنّ "صيف لبنان سيكون شديد الحرارة" ، ليس، كما يدّعي، واحدةً من "تنبؤاته الربانية". حينذاك كانت تحضيرات أولمرت المباشرة لعدوانه الأخير، قد بدأت منذ زمن، ولا نشك أنّه كان قد حصل على مباركة واشنطن لتفكيك لبنان وحزب الله، وهذا ما اعترف به مؤخراً هذا الكذّاب الأشِر.
يورغن كاين كولبل ترجمة: هاني صالح
الهوامش:
بروكرس، ماتياس: عشرون درساً من أحداث 11 سبتمبر، 23/8/2002
إسحاق بن هورين: المحاقظون الجدد:نتوقّع أن تهاجم إسرائيل سوريا
فيليب أبي عقل: معارك حدودية تثير مسائل عائلية، 13/7/2006
لبنان، إسرائيل، فلسطين: مقابلة صحفية مع مازن قمصية ، 24/7/2006
وكالات الصحف الغربية ضحية الرقابة العسكرية الإسرائيلية، 18/7/2006
كاين كولبل، يورغن: حرب استفزازية ضد لبنان ؟، صحيفة نويِس دويتشلاند، 26/7/2006
كاين كولبل، يورغن: إخراج مسرحي لسياسة القوة، صحيفة يونغِه فيلت، 27/7/2006
كالمان، ماثيو: وضعت إسرائيل خطة الحرب قبل أكثر من عام مضى، 21/7/2006، سان فرنسيسكو كرونيكل
مادسون، واين: غزو لبنان المخطط إسرائيلياً وأمريكياً في حزيران، تقرير واين ماديسون تموز 22/23-26،2006
تقرير: إستراتيجية جديدة لضمان أمن المملكة
إنغدال، ويليم ف.: سعر النفط ولبنان، مواضيع عصرية، 21/3/2005