الرئيس جورج دبليو بوش، تلك الدمية التي يلهو بها سادة أمريكا الأكثر تطرفاً والمسمون المحافظين الجدد، في أسوأ أزمةٍ يمكن أن تمر به: إن حزبه الذي يحيط نفسه بهالةٍ من التزمّت والذي يحصد الآن ما زرعه في مغامرته العراقية التي جلبت لبلدهم مأساة فيتنامية أخرى، والذي يرى نفسه مضطراً للدفاع عن الفساد المفرط والفضائح المحيطة بأولئك التابعين من أبراموف إلى حاكم أوهايو، بوب تافت، قد أصيب، وللمرة الأولى منذ اثني عشر عاما،ً بهزيمة كارثية وفقد الغالبية التي كان يتمتع بها في مجلسي الشيوخ والنواب.
وعلى أي حال، فقد انقلبت الأمور: وكما ذكرت وكالة الأنباء الألمانية في الثالث من تشرين الثاني الجاري، فإن جورج دبليو بوش، رئيس أقوى دولة في العالم، قد أمسى الآن "الصبي الشرير" في نظر غالبية سكان المعمورة. فهو الذي وصف بالفم الملآن، سنة 2002، كلاً من كوبا وليبيا وسورية وإيران والعراق وكوريا الديمقراطية بأنها تشكل محوراً للشر. وبحسب استطلاعٍ للرأي أجرته كل من الغارديان البريطانية بالاشتراك مع بعض الصحف الكندية والمكسيكية والإسرائيلية أيضاً، فإن بوش يمثل خطراً كبيراً يكاد يبلغ حد الخطر الذي يمثله "الإرهابي الأول" المفترض أسامة بن لادن: وكانت نتيجة هذا الاستطلاع في الدول الأربعة المذكورة أن 87% يرون الخطر الأكبر متمثلاً في ذلك الشبح المسمى ابن لادن، بينما احتل بوش الدرجة الثانية في تهديده للسلم العالمي ب 75%! لا بل أبعد من ذلك، فإن بوش يعدّ الآن في "مجتمع القِيَم الغربي" أخطر من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد (69%) ومن رئيس كوريا الديمقراطية كيم يونغ إيل ومن رئيس حزب الله السيد حسن نصر الله، الذي تبتعد عنه "الديمقراطيات الغربية" بناءً على نصائح الإسرائيليين والأمريكيين (65%).
ولا بأس من التذكير بالاستطلاع الذي تم بناءً على طلب من المفوضية الأوروبية، بين 8 و 16 تشرين الأول 2003 في كل دول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة آنذاك وكانت نتيجته أن 59 % من الذين استُطلعت آراؤهم من سكان دول الاتحاد الأوروبي، يرون في إسرائيل الخطر الأكبر للسلام العالمي، واحتلت الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الثالثة ب 53 % بعد "دول محور الشر" التي كانت آنذاك مقتصرةً على إيران وكوريا الديمقراطية. إلا أن نتائج هذا الاستطلاع اختفت سريعاً في أدراج البيروقراطيين الأوروبيين في بروكسل إرضاءً لإسرائيل. ولكن من المؤكد أن سمعة الحكومة الحالية للولايات المتحدة الأمريكية هي الآن حيث يجب أن تكون، على مزبلة تاريخ كرتنا الأرضية.
الاقتصاد الأمريكي يدير ظهره للمحافظين الجدد
يطرح ما سبق سؤالاً هاماً: إلى أين تسير سفينة هذه الحاشية المهووسة من المحافظين الجدد، الذين يريدون أن يغنموا ثروات العالم بأسره وينشروا الديمقراطية في كل أنحاء المعمورة تحت شعار "الحرب ضد الإرهاب"، هذه الحرب التي هي في الحقيقة "حربٌ ضد الشعوب والمجتمعات، حربٌ خُطِّطَ لها بكل صلفٍ وخبث لتدمير دولٍ وشعوبٍ بأسرها"؟ (1) ولا تزال هذه "العصابة من المنحرفين"، كما أسماها المؤرخ اللبناني ، يوسف الأشقر سنة 2005، "دولةً ضمن الدولة" تتمدد في كل المناصب العليا في الولايات المتحدة، في المجتمع والإعلام والاتحادات الدينية، وتسيطر على مراكز حساسة في البنتاغون ووزارة الخارجية وتملي آراءها وتفرض خططها.
وما يسبب الاستياء لبوش وحاشيته، أن الشركات الكبرى والاتحادات التجارية والصناعية قد راهنت منذ نهاية الشهر الماضي على نجاح الديمقراطيين في الانتخابات النصفية وأعادت دراسة علاقاتها مع المؤسسة السياسية وأنقصت تبرعاتها لبوش وحزبه الجمهوري من باب الحيطة. وقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز في 28 تشرين الأول 2006 أن " بعض ناشطي الجمهوريين يسعون بدأب لكسب ودّ السياسيين الجدد في صفوف الديمقراطيين". كما ذكرت الصحيفة أن المعونات المالية للمرشحين الجمهوريين قد انخفضت بمقدار 11 % لصالح الديمقراطيين. وهذا تحوُّلٌ لم يحدث منذ سنة 1994. حتى أن شركة مارتين لوكهيد لصناعة الأسلحة، قد خفضت أيضاً مساعداتها المالية للجمهوريين بمقدار عشرة بالمئة لصالح الديمقراطيين.
وهكذا فإنه ليس من المستغرب أن نرى بعضاً من المحافظين الجدد الأكثر تطرفاً، والذين أعطوا التبرير السياسي سنة 2003 لغزو العراق وإسقاط نظام صدّام حسين، يغادرون منذ بداية الشهر الجاري سفينة بوش الحربية التي جنحت، وهي آيلة لا محالة إلى الغرق. فقد صرّح ريتشارد بيرل، وهو من أكبر المحرضين على حرب العراق، لمجلة فانيتي فير Vanity Fair ، بكل نفاق ومِراء "أنه لم يكن ليساند الحرب ضد صدّام حسين، لو عرف أن حكومة بوش ستدير الحرب بهذا الشكل السيئ، وفي الحقيقة فإن الرئيس هو الذي يتحمل المسؤولية". أما كينيث آدلمان، المستشار الأمني في حكومة بوش، فقد قال إن حكومة بوش "أثبتت أنها أسوأ طاقم سياسي بعد الحرب العالمية الثانية". كذلك فقد انتقد دافيد فروم، أحد أكبر المقربين السابقين للرئيس بوش، والذي ساعد في كتابة خطاب "محور الشر"، رئيسه السابق، والذي كان يخدمه بإخلاص، بالقول: "كان الرئيس يتلفظ بالكلمات ولكنه لم يكن يستوعب الفكرة والغاية من ورائها".
أما نورمان بودهوريتز (تولد 1930)، وهو الأسطورة الحية للمحافظين الجدد وأحد مؤسسي هذه الجماعة، فقد تنصّل من كل شيء وادعى في مقالته المنشورة في أيلول الفائت في مجلة كومينتري C ommentary اليمينية المتطرفة، أن مبدأ بوش قد انتهى منذ أمد، ولم يكن ذلك كله إلاّ سوء فهم وتقديراً خاطئاً من قبل الرئيس نفسه. وعلى أي حال فإن مبدأ المحافظين الجدد لا يزال حياً، مع أن بعض الرفقاء قد اختفوا في الضباب (2) . لكنه أصرّ على أن هذا المبدأ بحد ذاته لم يكن فاشلاً في العراق ويجمح بخياله مبرراً: "ألم يُحرر العراق من واحد من أعتى طغاة الشرق الأوسط؟ جرت ثلاثة انتخابات، وصدر دستور جيد، وهناك الآن حكومة منتخبة تقوم بواجباتها، والشعب يتمتع بحريات لا عهد له بها، فأي كلام هذا عن الفشل؟" . والمقاومة في العراق ليست بالنسبة له إلاّ برهاناً على نجاح الاستراتيجية الأمريكية: فلو كان المقاومون مقتنعين بأن "نشر الديمقراطية قد فشل، فلمَ يقاتلون إذن للانتصار على الديمقراطية؟". إن هذا الرجل الذي يفكر بطريقة غريبة، لا يرى "أي دليل" على أن بوش قد حاد عن المبادئ التي أعلنها. يبدو أن بودهوريتز لا يستطيع أن يرى تناقص سيطرة الولايات المتحدة ولا انهيار معنويات جيشها ولا مظاهر التعب على جنودها ولا رغبة الأمريكيين بعودة أبنائهم من العراق حتى ولا التغييرات التي طرأت على سياسة حكومة بوش الخارجية. فيا له من مفكرٍ يفتقد كل حواسّه.
فشل مشروع القرن الأمريكي الجديد
لقد تأزم الموقف بالنسبة لبودهوريتز. ففي 1150، الشارع السابع عشر ن. و. ، واشنطن، وفي الطابق الخامس، تتحضر بضع عشرات من المحافظين الجدد للرحيل، بعد أن قضوا أكثر من تسع سنوات هناك يخرّفون حول إعداد مشروع القرن الأمريكي الجديد (PNAC ). وهاهو هذا "المصنع الفكري" ، الذي كان يقدم "الدراسات" و"أوراق العمل الاستراتيجية" باستمرار لتغذية أدمغة المتشددين في الحكومة الأمريكية، يغلق أبوابه الآن بحجة نقص في المال.
إلا أن المشكلة الحقيقية هي مشكلة العراق. فالمشروع المركزي ل P NAC ، وهو "نقل الديمقراطية إلى بلاد الرافدين" ، تطور في الاتجاه الخاطئ وأثبت خطأ النظريات المدرسية للسيدات والسادة من المحافظين الجدد. فنظريتهم التي تعمل على نشر الديمقراطية بوساطة الجيوش الأمريكية في العراق وانتظار تسلسل الأحداث بعد ذلك في المنطقة برمتها، طمعاً من شعوبها بالتمتع بفضائل الديمقراطية الأمريكية، أثبتت أنها بالطبع لا تساوي شروى نقير.
لقد أسس روبرت كاغان، وهو أحد الأدمغة الكبيرة بين المحافظين الجدد، هذا "المصنع الفكري" (بي إن إيه سي) سنة 1997 بالتعاون مع ويليام كريستول ، الشبح الخرِف، وفي ظل إدارة بوش. وكان هدف هذا المشروع يتمثل في سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية وإمساكها بمصير العالم في "القرن الأمريكي الجديد" وقيادة دول العالم "بالقوة العسكرية والقدرات الدبلوماسية والانصياع للمبادئ الأخلاقية". وبما أن "العالم متعدد الأقطاب لم يضمن السلام وكانت الحروب مستمرة لم تكد تنقطع"، كان على الحكومة الأمريكية –على رأي هؤلاء المفكرين غريبي الأطوار- "أن تستفيد من تفوقها التقني والاقتصادي حتى تصل بكل وسيلة –بما في ذلك القوة العسكرية- إلى السيطرة على العالم دون منازع" . وفي الحالات التي لا تثبت فيها الدبلوماسية نجاحها فإن "العمليات العسكرية تكون وسيلة مقبولةً لا بل ضرورية" . ويطلب صنّاع هذا المشروع ومُروِّجوه إنشاء قواعد عسكرية دائمة في شتى أصقاع الأرض حتى تكون الولايات المتحدة الأمريكية عصية على كل هجوم وبعيدة عن كل خطر، وبذلك تصبح الولايات المتحدة بمثابة "شرطي العالم" الذي يسعى في هذا العالم الفوضوي، الذي يحارب كلٌ فيه الآخر، إلى حفظ العدل واحترام القوانين وفق المعايير الأمريكية. هذا بالطبع دون العودة إلى آراء الحلفاء أو مراعاة المنظمات والمعاهدات والاتفاقات القانونية الدولية.
رعشات الموت: السيطرة الكونية
ومن الغريب أن أباطرة هذا المشروع لا يكتفون بالسيطرة على الكرة الأرضية وحسب وإنما يطمحون للسيطرة على ما أسموه "الأجواء الاجتماعية العالمية إضافةً إلى الفضاء الخارجي والعالم الافتراضي" حسب مصطلحاتهم، "وليس ذلك إلا خطوةً أولى على طريق إحداث نوع جديد من ضروب الأسلحة تحت اسم –القوات الأمريكية الفضائية- تكون مهمتها السيطرة على الفضاء الخارجي". وقد قام بوش بخطوة في هذا المجال حينما نشرت الحكومة الأمريكية في الساعة الخامسة من مساء السابع من شهر تشرين الأول الفائت، على شبكة الإنترنت، "سياسة الفضاء القومية" التي ترفع بوش إلى مقام "حاكم الكون" وتؤكد على سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على الفضاء وتجعل منها سياسة رسمية. ووفق هذا "المبدأ الفضائي" فإن لواشنطن الحق برفض أية اتفاقية تسليح مستقبلية يمكن أن تحد من حركة الولايات المتحدة في الفضاء أو تؤثر عليها سلباً. كما سيبقى الباب إلى الفضاء وأبحاثه موصداً أمام الدول التي لا تنصاع للمصالح الأمريكية: "فحرية الحركة والتصرف في الفضاء الكوني هام للولايات المتحدة كأهمية حركتها في الجو والبحر. والولايات المتحدة ستعارض كل اتفاقية قانونية جديدة أو أية قيودٍ أخرى إذا كان ذلك سيمنع حركتها في الفضاء أو سيحد منها."
ويرى الخبراء أن هذا خطوةٌ على طريق تطوير أسلحة فضائية، "تفتح الطريق خطوةً أخرى لبناء استراتيجية حربية فضائية"، كما قالت تيريزا هيتشنز، مديرة مركز المعلومات الدفاعية في واشنطن. ويتدرب الأمريكيون في الوقت الحاضر بشكل جدّي على "الحرب ضد الشر" في مشروعهم "حرب النجوم". وقد ذكرت المجلة الإخبارية الألمانية شبيغل أون لاين بتاريخ 28 تشرين الأول 2006، أن سلاح الجو الأمريكي اختبر "السيف الضوئي الطائر" وهو عبارة عن "جهاز ليزري عالي الطاقة محمول جوّاً"، يوضع في مقدمة طائرة جمبو نفاثة يُقذف على صواريخ نووية باليستية قد تكون بعض "الدول المارقة" قد أطلقتها. وقد تباهى الجنرال هنري أوبرينغ، بعد عرضه لهذ1 السلاح الليزري قائلاً: "أعتقد أننا، نحن قوى الخير، نبني ونؤسس لسحق قوى الشر. ونحن نخطو خُطاً واسعة حتى نقدم للشعب الأمريكي السيف الضوئي الأول".
انتصار حزب الله على أتباع الإمبراطورية الأمريكية
الإمبراطورية الأمريكية هي ظل نفسها، وإذا أردنا الدقة في التعبير، فما هي إلاّ ظل شبح يدور منذ عشرات السنين في تلافيف أدمغة المحافظين الجدد اليمينيين. لم تكن هذه الإمبراطورية يوماً حقيقةً واقعة وسوف لن تكون ذلك أبداً، مع أن تشارلز كراوتهامر، الصحافي العريق في واشنطن بوست والممثل الإعلامي لعصابة المحافظين الجدد الثرية، التي تعتبر نفسها الوريث الدستوري للولايات المتحدة، لا بل وريثة الإمبراطورية الرومانية أيضاً، كتب في أيلول سنة 2002 في صحيفة الغارديان: "إن الأمريكيين يخرجون الآن من مخابئهم ويستخدمون كلمة الإمبراطورية من جديد. وفي الحقيقة فإن التاريخ لم يعرف منذ الإمبراطورية الرومانية، بلداً كالولايات المتحدة بسيطرتها الثقافية والاقتصادية والتقنية والعسكرية." وقد ادعى كراوتهامر منذ سنة 1999 :"أن التاريخ لم يعرف دولة عظمى تسلقت ذرى المجد منذ أن دمرت روما قرطاج، مثل ما فعلت الولايات المتحدة."
هل هناك حقاً سيطرة عالمية للإمبراطورية الأمريكية وهل حقاً لا تخشى شيئاً؟ مرّت في التاريخ إمبراطورياتٌ وممالك عديدة منذ بدايته وحتّى العصر الأوروبي الاستعماري الحديث. والعالم يعرف أن لكل قوةٍ عالمية عمرٌ محدود وأسباب الانهيار معروفة. فروما، على سبيل المثال، انهارت نتيجة قواها الذاتية والكوارث الطبيعية والزلازل والحرائق وتدمير الحروب ولا ننسى عدم الحكمة واللامبالاة والانحطاط كأسبابٍ لانهيار الدول.
إن تجربة الأمريكيين في بناء إمبراطوريةٍ تحتقر الإنسان والشعوب والثقافات، ليست تجربةً فاشلةً فقط، وإنما هي أيضاً تجربةٌ غير مناسبة بأساليب غير مناسبة. فالحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق كانت باهظة الثمن مادياً ومعنوياً. ومع ذلك فلا تزال حكومة بوش تدّعي أن هدفها نشر الديمقراطية من المغرب الأقصى إلى باكستان. ومن أجل ذلك وضع محافظوها الجدد المتطرفون مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي ينص على "الفوضى الخلاّقة" وهذا ما يعني تغيير أنظمة الحكم بالقوة. وهكذا أصبح العراق سابقةً في هذا المضمار من "الدمقرطة" . ولكن حماسة واشنطن لهذه التجارب الحربية لم تلبث أن انطفأت بسرعة. إلاّ أنّ بوش لم يستمع إلى الطلب المتنامي بعودته عن العمليات العسكرية البربرية، بل عيّن كوندوليزا رايس وزيرةً لخارجيته وأعلن أنه سيقود "حرباً عالميةً ضد الإرهاب" وسينهي "الصراع العربي الإسرائيلي" وسيقيم "مظلّةً من الديمقراطية فوق الشرق الأوسط".
أما كوندوليزا رايس، صاحبة الإغراء السمراء، فقد اختارت الزمن الذي غطّت فيه القوةُ النووية، إسرائيل، في شهر تموز الفائت، لبنانَ وسكانَه المدنيين بوابلٍ من القنابل مستخدمةً الأسلحة المحرمة دولياً، لتعلن عن "مخاض ولادة الشرق الأوسط الجديد" . إنها لسخرية لاذعة تصدر عن تلك التي تقدم نفسها بمظهر أنيق يخفي بين ثناياه وحشاً كاسراً. هي التي لا تعرف معنىً للطفولة ولا لتربية الأطفال وولادتهم، تدنس دم الأطفال الذي ينسكب بريئاً في أنحاء لبنان، بشكل فظٍّ ومُقزِّز، بوصفها إيّاه بمخاض الولادة وهو في حقيقته قتل جماعيٌّ إجرامي.
قال الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه في 15 آب 2006 : "إن الحرب ضد لبنان ستصنع حقاً شرقاً أوسط جديداً ولكن ليس ذلك الذي تسعى إليه الولايات المتحدة وإسرائيل . إن العرب يتكلمون اليوم عن أول نصر عسكريٍّ فعلي ضد إسرائيل." ومن نافلة القول أن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تقبلا هذه النتيجة. لقد استطاع حزب الله اللبناني بقوته العسكرية الصغيرة أن يجبر الجيش الإسرائيلي المدجج بالسلاح، على الرضوخ وأن ينتزع منه نصراً مُؤزّراً .
كما قال الرئيس الأسد أيضاً في خطابه في آب الماضي: "لا شك أن المعركة الحالية في لبنان معركةٌ حاسمة بالنسبة للشرق الأوسط الجديد، ولكن السؤال يبقى: من سيحدد نوعيته وبأي ثمن؟" لا ريب، إن سورية، ذات النظام العلماني الاشتراكي، ستقوم بدور مفصلي في شرق المقاومة الوطنية الأوسط الجديد.
وبعد الضربة القاسية التي سددها حزب الله إلى وجه العدو الغاشم، أسرعت وزيرة الخارجية الأمريكية في 3 تشرين الأول 2006 إلى القاهرة، لتجمع حولها وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي مع وزيري خارجية مصر والأردن، وحاولت أن تسوّق فكرتها غير الواقعية حول مساعدة واشنطن للدول العربية المعتدلة على العمل ضد الدول المتطرّفة. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على المعرفة الضحلة بتوجهات شعوب المشرق العربي، حيث تعمل الشعوب وبعض القيادات السياسية على مقاومةٍ فاعلة ضد التصورات والمخططات الأمريكية والإسرائيلية وكذلك على تحدي أصدقاء أمريكا وأزلامها من العرب. إنها "حرب باردة" إقليمية جديدة، حيث تقف قياداتٌ مساندة للغرب ضد قوىً تقارع أهداف الغرب التي تمثلها أمريكا وإسرائيل في المنطقة. ونذكّر في هذا المقام بمطالبة حزب الله والتيار العوني الحر بحوار وطني جديد في لبنان. لقد ابتدأت مقاومة شعوب المشرق العربي ضد السيطرة الأمريكية والبريطانية والفرنسية والإسرائيلية ولا مجال لإيقاف كرة الثلج.
يورغن كاين كولبل ترجمة الدكتور هاني صالح
-----------------------------
Palestinians will never surrender, Silvia Cattori, Interview with Sattar KassemK 12.902006
Podhoretz, Norman: Is the Bush Doctrin Dead?, 09/2006, Commentary,