Home International
Arabic
Al Watan
Libanon War I
Libanon War II
Guantanamo
Pseudosemits I
Pseudosemits II
Pseudosemits III
Pseudosemits IV
Dragon - Eagle
Puppet Show I
Puppet Show II
Puppet Show  III
Israel
James Bond
Ship's Log
Axis I
Axis II
Axis III
Inquiry Hotpot
Français
English
Italiano
Español
"Mordakte" Reviews
Dr. Hani Saleh
Blog

19 November 2006



القسم  الثاني:  روبرت كاغان: "الروح الأمريكية المعنوية جزءٌ من الإرث الجيني الأمريكي"

 

"لا يمكنك أن تغلق أفواه الآخرين" ، حكمة يابانية تشير إلى أولئك الذين يهرفون بما لا يعرفون ولا تجد لِكَمِّ أفواههم سبيلاً. كذلك فإن الثرثرة الغبية التي تطلقها "أفواه" المحافظين الجدد، لا تقف أمام باب يمنع انتشارها، حتّى بعد هزيمة جورج دبليو بوش وجمهورييه في الانتخابات الأخيرة، وبخاصّةٍ عندما يحاول أولئك المحافظون الجدد كتابة ثرثراتهم في مقالات في الواشنطن بوست أو نشر شطحاتهم الفكرية في الصحافة الصفراء على نمط مجلتهم "ويكلي ستاندرد" ، بالإضافة إلى صحافة المتطوعين ممن يعرضون أنفسهم في سوق نخاسة التبعية ليكونوا أبواق أسيادهم، ليدخلوها تدريجياً في أذهان الناس.

وهذا ما يحدث على شكلٍ مستتر وخبيث مع الناشر الأمريكي روبرت كاغان وهو الزميل القديم في جمعية كارنيجي للسلام الدولي والذي يكتب عموداً شهرياً في صحيفة واشنطن بوست، كما كان يعمل أيضاً مستشاراً في مجلس العلاقات الدولية في وزارة الخارجية الأمريكية بين عامي 1984 و 1998 . وقد نشر كاغان بتاريخ 16 تشرين الأول الفائت، في مجلة “US Gazette New Republic"    تحليلاً تحت عنوان "أمةُ رعاةِ بقر" ، وقد نشرت ترجمتها الألمانية في 28/10/2006 تحت عنوان "من أين يأتي تطلُّع أمريكا إلى السيطرة؟" ، في صحيفة يومية مؤيِّدةٍ لإسرائيل صادرة عن دار أكسل شبرينغر للنشر في برلين. ويحاول كاغان في هذه الدراسة أن يبرر تطلُّع الأمريكيين إلى بلوغ الشمس والقمر والنجوم وإلى السيطرة على النفط والعالم كله. وهو يقول: "إن أمريكا تسعى خلف رغباتها التوسعية والإمبريالية والتبشيرية منذ تأسيسها. ومنذ أن وضع أول ’حاجٍّ’ أمريكي قدمه على أرض القارة الأوروبية، أصبحت أمريكا قوةً توسعية، وهي لم توقف توسعها الإقليمي والاقتصادي والثقافي والجيوسياسي منذ أربعمئة سنة. فالولايات المتحدة لم تكن يوماً قوة توازن بل كانت دائماً قوة ثورية. وما يدفعنا للتدخل في شؤون الآخرين ليس ظاهرةً حديثة ولا هو خيانة للروح الأمريكية المعنوية وإنما هو جزءٌ من الإرث الجيني الأمريكي."

هذا ما يقصم ظهر البعير. إن هذا المحافظ الجديد يتمادى في زعمه أن "الروح الأمريكية المعنوية" جزءٌ من الإرث الجيني وكأنه أصبح أحد علماء هذا المجال العلمي الحديث. كلا، إنه ليس كذلك، إن من يعتقد أن الأمريكيين قد أُصيبوا يجنون العظمة أو هم مجانين أو أغبياء، من أجل أن يقنع شعبه وبعض الأوروبيين بهذا التفكير البدائي، يخطئ كثيراً.

 

ليس تبسيط روبرت كاغان الديماغوجي فيما يتعلق بأوهامه الخبيثة، "زلّة لسان أو هفوة جنان" وإنما هي نتيجة "حسابات وتقدير" . وكما هي عليه الحال في الفكر الفاشي، كذلك ليست ثرثرة كاغان الممتزجة بالنظريات العرقية، والاجتماعية الداروينية، والمالتوسية الحديثة والنظريات الأخرى شبه العلمية، إلاّ دعائم ضرورية للسياسة الخارجية في مثل هذه الدول. وعلى سبيل المثال، فإن التطرف في معاداة الإسلام في أيامنا هذه، ليس إلاّ حافزاً على الإرهاب المطلق من كل قيد، ضد القوى التقدمية. وهذا هو التناقض بعينه تحت ستار مكافحة الإرهاب. إن "دمقرطة" البلدان المتخلفة بهذه "الروح الأمريكية المسيطرة" يجب أن تُقرأ بترجمتها الصحيحة على الوجه التالي: "اغتصاب الأرض واستعباد الشعوب لصالح مجموعات عسكرية صناعية ولأسباب جيواستراتيجية".

 

" لسنا أرواحاً مسالمةً " :

لم يتردد كاغان "الإمبريالي المتحمس"، في تزوير التاريخ ومحاولة إقناع القارئ غير المطلع، في أحدث "مقالاته الحربية" أنّ "المستعمرين البريطانيين قد عملوا منذ زمن طويل قبل تأسيس دولة الولايات المتحدة الأمريكية، جاهدين على إبادة السكان الأصليين في أمريكا. وقد عمل الأمريكيون منذ أربعينات القرن الثامن عشر على التوسع بلا رحمة في كل البلاد، ليس على حساب الهنود الحمر فقط، وإنما طردوا أيضاً كلاًّ من فرنسا وإسبانيا وروسيا." وهكذا، إذا ما صدقنا كاغان، فإن البريطانيين وليس الأمريكيين، هم الذين كبّدوا الهنود الحمر تلك الخسائر الفادحة، ولم يقم أجداد الأمريكيين الحاليين إلاّ بالتوسع في البلاد. تصوير ماهر لهذا "المحافظ الجديد".    

لقد أصبحت فروة رأس الهندي الأحمر سلعة رأسمالية، ففي عام 1760 كانت السلطات تدفع 134 دولاراً لمن يأتيها بفروة رأس رجل هندي أحمر، أما سعر فروة رأس المرأة فلم يكن يتعدّى الخمسين دولاراً آنذاك. لقد قضى صيادون محترفون خلال سنوات قليلة على أكثر من سبعة ملايين رأس من حيوانات البيزون التي كان الهنود الحمر يعتمدون عليها في غذائهم. لقد كان الطمع بالأرض والذهب والفضة والفحم وكنوز بلاد الهنود الحمر الأخرى، دافعاً كافياً للأمريكيين لإبادة السكان الأصليين، حتّى إن المثل القائل "الهندي الأحمر الميت هو وحده الهندي الأحمر الجيد" أصبح شائعاً على كل لسان.

أما الكاتب الأمريكي المعروف هنري ميللر (1891-1980) ، فقد وصف بني قومه في كتابه الصادر سنة 1945 "The Air-Conditioned Nightmare "  بأسلوب خاص ورسم لهم صورة معاكسة تماماً لما أراد كاغان عرضه، فقال: "إن أمريكا تتألف من أناس جاؤوها هرباً من حالاتٍ وأوضاعٍ سيئة في بلادهم الأصلية، وأمريكا هي موئل الهاربين والمارقين، حتّى لا نستخدم كلمةً أقبح. كان بإمكاننا أن نجعل من هذه القارة عالماً رائعاً لا أن تكون بلداً لإفراز السموم الخطيرة والمنافسات المريرة وتجتمع فيها الأحقاد والمنازعات… لسنا أرواحاً مسالمة، نحن أناسٌ متعجرفون وخوّافون وقلقون ... لقد خلّف المهاجرون وراءهم قِيَمَ النهضة الأوروبية ولم يجدوا الجرأة لبناء نوع جديد عصريٍّ من التعايش الاجتماعي" .

لم يكن هناك بدٌّ من هذه اللمحة التاريخية حتّى نستطيع أن نفهم خلفيّة "سرّ هذه الكتلة الوراثية" التي يدّعيها روبرت كاغان. فهذه الطاقة الإجرامية التي مارسها أجداده ضد السكان الأصليين – ولنترك الآن جانباً ما مارسه الأمريكيون في العصر الحديث من قتل وذبح على اليابانيين والفيتناميين والأفغان والعراقيين وغيرهم – تكمل نظريّته حول أن الروح المعنوية الأمريكية "جزءٌ من الإرث الجيني الأمريكي" بإثباتها الروح الإجرامية المولودة مع الأمريكي.

لم يقدّم روبرت كاغان، فيلسوف المحافظين الجدد، لبني قومه بثرثرته شبه العلمية، سوى الضرر والأذى، بل هو في ذلك يثبت عداءه لبني جلدته ولا تهمه سمعتهم، بل يصبّ جلّ اهتمامه على تفعيل الأهداف السياسية وتنفيذها.

 

صعود المحافظين الجدد:

كان لا بد من نظرة نلقيها في تاريخ السياسة الأمريكية الحديثة حتّى نستطيع تعرية شعوذة كاغان الفكرية خاصةً ودجل فصيلة المحافظين الجدد عامةً على وجهٍ أفضل.

ففي خريف عام 2000 استطاع جورج دبليو بوش أن يصل إلى رئاسة الجمهورية ويرفع معه تلك الحلقة من المحافظين الجدد اليمينيين وهي عبارة عن تيارٍ فكري تأسس في سبعينات القرن الماضي "من مجموعة صغيرة ولكنها شديدة التأثير، من كتّابٍ وصحفيين وقوىً سياسية فاعلة وبعض الأكاديميين" كما ذكر جيمس زغبي رئيس المعهد الأمريكي للدراسات العربية. فدخل الإدارة الأمريكية منهم مع بوش، من ضمن من دخل: ديك تشيني، الرجل ذو الأيدي الملطخة بالنفط، ليصبح نائياً للرئيس، والساعي بكل حماسة لإشعال الحرب في العراق، دونالد رامسفيلد، وذلك الراغب بأن يشار إليه بالبنان كمقاتل شرس، بول فولفوفيتز، الذي أصبح معاوناً لوزير الدفاع، ثم ذلك المقزّز للنفس جون بولتون، والكذّاب الأشِر ريتشارد بيرل.

لقد دارت الأرجوحة بقوة ولم تُخفِ عصبة بوش سياستها الإمبريالية المتطرفة المتعجرفة والمتفرّدة منذ البداية، فقد تولّت هذه العصابة المتطرّفة من المحافظين الجدد الجمهوريين، زمام الحكم وأخذت على عاتقها تنفيذ تلك المخططات العالمية التي صاغتها تلك "المصانع الفكرية" بعد نهاية الحرب الباردة، ولتصوغ منها بكل جفاءٍ ووقاحة، عالماً وحيد القطب تحت هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية لا منازع لها، ولتنفّذ مبدأ الحروب الاستبباقية والوقائية ضاربة بكل القوانين والأعراف والاتفاقات الدولية عرض الحائط.

كانت صناعة النفط الأمريكية آنذاك في مأزق؛ فاحتياطيّها من النفط في تراجع، أما الاحتياطيّ العالمي الموجود في كل من آسيا الوسطى وإيران والعراق والسعودية فهو يشكل سوق الطاقة العالمية والحيوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. وهكذا استطاع بوش، مليونير النفط التكساسي وممثل سلطة الشركات النفطية الكبرى، أن يؤمِّنَ مع حكومته، القاعدة الإيديولوجية والسياسية لتحقيق المطامع الجيواستراتيجية لمجموعات النفط الضاغطة. وهكذا عادت مخططات المحافظين الجدد الإمبريالية مناسبةً لتحقيق الرغبات النيوكولونيالية (الاستعمارية الحديثة) لاقتصاد النفط: فقد اعتقد المحافظون الجدد أنهم يستطيعون أن يحققوا خريطةً عالمية جديدة يمكن ملاءمتها بحريةٍ مع خريطة المكامن النفطية الثابتة. ولتحقيق هذا الهدف أخذ بوش إلى جانبه نائبه تشيني المليونير النفطي والخبير في العمليات العسكرية والمخابراتية والذي يرفض بطبيعة الحال، النظام العالمي القائم على القانون الدولي. أما الديمقراطية الأمريكية فيريد أن يطبقها على العالم كلّه وبالقوة العسكرية الأمريكية المتطورة، إذا اقتضى الأمر.

أما فولفوفيتز، الذي كان معاوناً لسيد البنتاغون، فلم يُخفِ يوماً مبادئه المتطرفة. وقد أعدّ سنة 1992 ورقةً استراتيجيةً حول رؤيته لأمريكا كقوة وحيدة عالمية تستطيع ،بتفوّقها العسكري، أن تكبح جماح منافِسَيها الرئيسيين، ألمانيا واليابان، وأن تدير عدّة حروب في آنٍ واحد. ثم نشر اليمين المحافظ الجديد في أيلول سنة 2000 قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تقريراً من ثمانين صفحة تحت عنوان :"إعادة بناء الدفاعات الأمريكية: الاستراتيجيات والقوات المسلحة والمصادر الحيوية في القرن الجديد". ولم يكن هذا التقرير إلاّ نسخةً منقحةً من ورقة فولفوفيتز الاستراتيجية. وقد أوضح هذا التقرير كلّ ما يجب القيام به بعد استلام السلطة من تطوير لقدرات للقوات المسلحة وتطوير أسلحة نووية جديدة وإنشاء قواعد عسكرية في آسيا وشن حروب ضد العراق وإيران وكوريا الشمالية. وأضاف التقرير: " أن هذه العملية قد تستغرق وقتاً طويلاً إلاّ إذا وقعت حادثة كارثية تكون عاملاً مٌحفِّزاً كأَن تحصل عملية بيرل هاربور جديدة". وهاك انظر، فقد وقعت حوادث الحادي عشر من أيلول سنة 2001 !!

بعد ثلاثة أيام فقط من ضربات أيلول، استطاع فولفوفيتز أن يعلن أن أسامة بن لادن والقاعدة وصدام حسين هم الذين يقفون خلف هذه الضربات. وكان فولفوفيتز قد طالب عامَي 1991 و 1998 "بتنحية صدام عن الحكم" . وقد شُنَّت الحرب أوّلاً في أفغانستان على ابن لادن و"قاعدته". وكانت بداية هذه "الحرب العالمية ضد الإرهاب" ملائمةً لمخططات شركة النفط الأمريكية يونوكال التي كانت تتوق لمد خط لنقل النفط والغاز من تركمانستان إلى باكستان عبر أفغانستان، والذي لم يمكن إنشاؤه لوجود طالبان في الحكم. وما إن استلم حميد قرضاي،الذي كان مستشاراً سابقاً في يونوكال، رئاسة أفغانستان حتّى وقّع عقد هذه الصفقة في أيار 2002.

ولكنّ البنتاغون لم يستطع أن يثبت أية علاقة للعدو الثاني، صدام حسين، بالعمليات الإرهابية، ولم يجد وثائق تثبت ضلوع العراق في عمليات إرهابية أو حتّى أية إثباتاتٍ على إنتاج أسلحة دمار شامل. إلاّ أنَّ وثائق زُوِّرَت وتفرر غزو العراق. وقد صرّح فولفوفيتز لاحقاً بكل صراحة، أنّ وجود أسلحة دمار شامل في العراق لم يكن يوماً سبباً رئيسياً لغزو العراق وإنما اتُّخذ سبباً لأنه مقنع للمجتمع الدولي.

ولا بد من التنويه إلى أن حركة المحافظين الجدد ليست إلاّ مدرسة فلسفية نخبوية تتلمذ مؤسسوها على يد الفيلسوف الألماني اليهودي ليو شتراوس،  الذي فرَّ من النازية وبقي يدرّس في جامعة شيكاغو عدّة عقود.

كانت الولايات المتحدة بالنسبة لشتراوس وتلامذته صورة مكررة غير طبيعية لجمهورية فايمار الألمانية الديمقراطية الليبرالية قبل الحكم النازي. لذلك رأى في الولايات المتحدة الأمريكية الليبرالية دولةً منحلةُ أخلاقياً وغير قادرة على تطوير نفسها. وهكذا دعا إلى وطنية تقوم على وعيٍ اجتماعي مستند إلى الفضائل والأخلاق الحميدة حتّى يستطيع الأمريكيون أن يدافعوا عن منهج حياتهم ضد أعدائهم.

اكتشف سيمور هيرش،  المحقق الصحافي الأمريكي الشهير، في أيار سنة 2003 كيف حضّرت هذه العصابة، بمن فيهم بول فولفوفيتز، الذي هو اليوم رئيس البنك العالمي، لغزو العراق، وكتب عن ذلك في صحيفة النيويوركر أن هذه المجموعة تصرّفت من منطلق أنّ أسلوب الخداع والتضليل هو الأسلوب الصحيح في الحياة السياسية. فقد علّمهم أستاذهم شتراوس أنّ أفضل الأساليب السياسية هو ما يمارسه طاغٍ تشير عليه بخداع شعبه، ثلّة صغيرة من المستشارين الذين لا ضمير عندهم ولا أخلاق. ويصف الناشر الأمريكي المعروف، جيفري شتاينبرغ، ليو شتراوس بأنه "عرّاب المحافظين الجدد الفاشي".

كان البروفسور ألان بلوم، حتّى وفاته سنة 1992 ، الأب الروحي للمحافظين الجدد وقد ذكر في كتابه الشهير والذي نشر سنة 1987 تحت عنوان "فساد القوى الروحية الأمريكية"  أنّ  "العلوم التي طوّرها المهاجرون الأوروبيون في أمريكا، أفسدت الديمقراطية الأمريكية لأنها جلبت إلى المجتمع الأمريكي عدوى الفلسفة العقلية النقدية" . وبهذا القول يدفع بْلوم الأسطورة البروتستانتية المذهبية حول تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى الواجهة، وهي التي تقول إنّ "الخير" وجد داراً له في أمريكا بينما يسكن "الشر" في أماكن أخرى. وهذا ما يوضح الإيديولوجية المانوية للمحافظين الجدد المبنية على "ثنائية الخير والشر".

في سبعينات القرن الماضي وخلال الحرب الباردة، كان المحافظون الجدد ينظرون إلى الاتحاد السوفييتي السابق على أنه "مملكة الشر" لأنه لم يكن يسمح لليهود آنذاك بالهجرة إلى إسرائيل. حقاً إنّ المصطلحات المبتذلة التي تطلقها إدارة بوش يمنةً ويسرةً مثل: "محور الشر" و "الدول المطيعة والعصيّة" و " من ليس معنا فهو عدونا"، تحمل في طيّاتها  ملامح الفلسفة المانوية. ولا عجب أن يكتب روبرت كاغان: "يعيش الأوروبيون على كوكب الزهرة ويحلمون بالسلام الدائم بينما ننتسب نحن الأمريكيين إلى كوكب المريخ (وهو مارس، إله الحرب عند الرومان) ونقف صامدين في وجه العالم الواقعي في كفاح الجميع ضد الجميع" .

إن من يظن أن بوش في منتهى الغباء لا يخطئ إلاّ قليلاً، فالدور الذي يقوم به في الخداع والاحتيال والتضليل يستحق لا ريب جائزة أوسكار السياسية. وبفضل "السلطة الدينية" التي ثبتتها إدارة يوش في السياسة الأمريكية، خلافاً للأساس الدستوري التقليدي بما يتعلق بفصل الدين عن الدولة، فقد راحت هذه الإدارة تقود البلاد باتجاه إيديولوجية المحافظين الجدد. وسبق أن عبّر جورج دبليو بوش عن سروره بعد عيد ميلاده الأربعين بالقول: "لقد ذهب جاك دانيال وأتى يسوع المسيح" وأكمل قائلاً إنه يستطيع الآن أن يميّز بين الخير والشر لأن الله وضع له مخططاً خاصاً به وفوّضه بالتنفيذ. وأسمى هذا المخطط "حرباً صليبية" ليعود عن هذه التسمية ويستبدلها بالكفاح الصعب لإحقاق الحق ونشر الخير فأمريكا مفوّضة بقيادة العالم إلى السلام والاستجابة إلى نداء التاريخ. ويتجلّى هذا النداء بكونه "نداءً إلهياً أُلزمت به أمريكا" ، ويلجأُ بوش إلى الصلاة والعبادة وطلب المعونة من الخالق تعالى، من أجل تحقيق هذا التكليف الإلهي "والقدرة على الدفاع عن الأراضي المقدسة وإعداد الظروف اللازمة والشروط الضرورية على جبل الهيكل من أجل تمكين ظهور السيد المسيح". ولا غرو أن افتتن المتدينون الأمريكيون وانتشوا طويلاً بهذا الكلام المخدِّر الصادر عن مُخلِّص الأمة.

يفهم حوارييّو هذا المخلِّص العصريّ جيداً كيف ينفذون فلسفتهم الهجومية ببراعتهم وطمعهم: فهناك تشيني المتعطش لانتزاع سلاح النفط من أهله في الشرق الأوسط، ورامسفيلد الساعي إلى بسط السيطرة والنفوذ، ثم فولفوفيتز الذي يعلق عليه المتطرفون اليمينيون في إسرائيل آمالاً عِراضاً، لتأتي كوندوليزا رايس بعد ذلك وتفرض الديمقراطية بالحروب وقوة السلاح على شعوب الشرق الأوسط لتُقدّم بذلك السلام الدائم لإسرائيل على طبقٍ من فضة أو قُل من ذهب.

 لا تتحقق هذه "الأهداف" إلاّ بالحروب، وبالفعل فإن فكرة الحرب تسيطر على تفكير هؤلاء المحافظين الجدد وعلى عقولهم فالحرب بالنسبة لهم قدر. كما أنهم لا يعتقدون بإمكانيّة تحقيق نظام عالمي يعيش بأمان واطمئنان وهذا مصدر عدم ثقتهم بالأمم المتحدة, فهم يرفضون نظاماً عالمياً يقوم على مبادئ وقوانين واتفاقاتٍ دولية، فالدول لها أعداؤها الذين يجب أن يعاملوا على أنهم فعلاً أعداء. ويعطي المحافظون الجدد أولويَّةً لبسط السيطرة الأمريكية على العالم بأسره، "فهدفهم البطولي" هو فرض الديمقراطية الأمريكية "الاستثنائية" على العالم بأسره. وهم مقتنعون بأن "نظام المبادئ والأخلاق" الأمريكي، فريدً من نوعه ومتفوقَ على مبادئ الشعوب الأخرى. وحيثما لا يقتنع الآخرون بذلك، لا بأس من مساعدة بأكثر الأسلحة تطوراً لإقناعهم. فروبرت كاغان يقول: "تمارس أمريكا السلطة في عالم يحارب فيه بعضٌ بعضاً ةلا مكان فيه لقانون أو اتفاقات دولية.

كما يقول هذا المُتَوَهِّمُ الإمبريالي، روبرت كاغان: "إن اندفاع أمريكا إلى التوسع وميلها إلى السيطرة لا يخالف طبيعتنا. ونحن على قناعةٍ أيضاً بأن مصالح أمريكا لا تتميّز عن مصالح العالم كلّه، فالولايات المتحدة الأمريكية تقوم بدورٍ فريد في الإسراع بتطوير البشرية قاطبةً. وسواءً نجحنا أو فشلنا، فإننا سنبقى أمةً يخافها الطغاة وأولئك الذين لا يشاركوننا مفهومنا في الليبرالية ويخافون طبيعتنا الحربية ويفضلون نظاماً عالمياً ليس قائماً على طاعة أمريكا وهيمنتها".

إنها دولةٌ "خطرة" خاصةً بالنسبة للمدنيين في هذا العالم، ففي أكثر من مئة حرب هجومية خاضها الأمريكيون منذ تأسيس دولتهم، قُتل ملايين الناس العُزَّل بالسلاح الأمريكي، منهم النساء والأطفال، وقطِعت رؤوس وأَيدٍ، وحصلت مجازر استُخدم فيها النابالم والقنابل الذرّية.

                                                                              ترجمة: الدكتور هاني صالح

 

المراجع:

Kagan, Robert: Cowboy Nation – The New Republic Online, October 16, 2006;

http://www.carnegieendowment.org/publications/index.cfm?fa=view&id=18796&prog=zgp&proj=zusr

Lips, Eva: Das Indianerbuch, VEB F.A. Brockhaus Verlag Leipzig, 1965