Home International
Arabic
Al Watan
Libanon War I
Libanon War II
Guantanamo
Pseudosemits I
Pseudosemits II
Pseudosemits III
Pseudosemits IV
Dragon - Eagle
Puppet Show I
Puppet Show II
Puppet Show  III
Israel
James Bond
Ship's Log
Axis I
Axis II
Axis III
Inquiry Hotpot
Français
English
Italiano
Español
"Mordakte" Reviews
Dr. Hani Saleh
Blog

24 December 2006



السياسيون العملاء فئة شاذّة يلهو بهم من يمسك بعنانهم. يظهرون فجأةً من جوف التاريخ وينفّذون ما كُتب لهم من أدوار، دون تبرّم أو تذمّر، ليختفوا بعد ذلك في الحضيض بصورة غير مشرّفة.

لقد انكسر ذلك الغصن الذي كان يجلس عليه الزعيم الأمريكي بوش، ويظنّ أنّه يطّلع على العالم ويديره على هواه من أعالي شجرة الإمبراطورية. وهاهو الغصن الآن يهوي مع ذلك المتسلّق، بسرعة ليحطّ على تراب تكساس.

لا بد أن يجرّ ذلك الساعي إلى تاج الإمبراطورية، دُماه العميلة معه في سقوطه، سواء أكانت هذه الدمى تقفز في بيروت أو ترتع في كابول أو تدور في بغداد أو تختبئ خلف الكواليس هنا أوهناك. نسأل أنفسنا؛ من أي طينة خُلقت هذه الأشكال، حتّى انصاعت في لعبة السياسة خلف ذلك الدعِيِّ على التراب الأمريكي والمجرم بامتياز؟

نظرة إلى هذه النماذج توحي لنا بفصلين هزليين من مسرح العرائس. تحدثنا في الأسبوع الماضي عن ربيب واشنطن المتربع على عرش بيروت. أما اليوم فسيقوم بالدور الرئيسي في الفصل المسرحي التالي ذلك الربيب الآخر القابع في كابول "حميد كرزاي":

 

"وريث عائلة الدوراني على عرش كابول":

تدور على ألسنة الأفغان ألقاب عدّة للرئيس حميد كرزاي. فهو بالنسبة للبعض "دمية بيد الولايات المتحدة الأمريكية" وللبعض الآخر "عمدة كابول".

ومع أنّ كرزاي يتنقّل كالدبلوماسي العريق بين البيت الأبيض وداونينغ ستريت وروما وبكين وطوكيو، إلاّ أنّ الكثير من أبناء جلدته لا يثقون بهذا الرجل الأنيق. فهذا الرجل الفارع القامة ذو اللحية المشذبة الذي يحمل ساعة رولكس على معصمه وينتعل الأحذية الإيطالية أو الإنكليزية ويلبس الثياب البريطانية ويلف نفسه بعد ذلك بعباءة حريرية خضراء، لا يعطي لهؤلاء القوم المتلحّفين بالبؤس والفقر والمعاناة على تلك الجبال، انطباعاً بانتمائه إليهم. وهذا له أسبابه ولا شك:

باكستان في تشرين الأول 1984: تهبط طائرة في مطار القاعدة العسكرية إلى الجنوب من إسلام آباد وعلى متنها ويليم كيسي، مدير الوكالة الأمريكية للاستخبارات (سي آي إيه). سبب هذه الزيارة السرية: تنسيق الاستراتيجية الحربية مع الاستخبارات الباكستانية ضد السوفييت في أفغانستان. وقد علّق ستيف كول، على ذلك سنة 1992 في الواشنطن بوست بالقول: "زيارة كيسي ليست إلاّ تحضيراً لتنفيذ القرار السري لحكومة ريغان حول تعزيز النشاطات الأمريكية السرية في أفغانستان".

لم يكن حميد كرزاي آنذاك إلاّ شابّاً ابن ستة وعشرين عاماّ، حينما تعرّف سنة 1984 على مدير السي آي إيه، كيسي، عن طريق الاستخبارات الباكستانية والهندية. وقد كتب الصحفي الهندي في صحيفة سابرا إنديا : "تعود علاقة عائلة كرزاي بالاستخبارات إلى أوائل الثمانينات حينما كان حميد كرزاي وأبوه عبد الأحد كرزاي من الأصدقاء المقربين إلى أجهزة الاستخبارات في كل من الهند وباكستان".

كان جدّ كرزاي رئيساً للمجلس الوطني أيام الملكية وكان أبوه عبد الأحد رئيساً للبرلمان حتّى أطاح انقلاب عسكري بحكم الملك الأفغاني محمد ظاهر شاه سنة 1973 . درس البشتوني والمسلم المعتدل، حميد كرزاي، في كندهار وكابول حيث كان رجل الدين المعروف، صبغة الله مجدّدي، أحد أساتذته هناك. بعد ذلك درس في جامعة سيملا الهندية وحصل على شهادة الماجستير في العلاقات العامة سنة 1983.

وأثناء دراسته في الهند، قام ضباط ماركسييون بانقلاب على الملك محمد داود. وفي عام 1979 ، حينما دخل الجيش السوفييتي إلى أفغانستان ، هربت عائلة كرزاي إلى الباكستان. إلاّ أنّ العديد من الشبان الأفغان بقوا في البلاد وشنوا حرب عصابات ضد السوفييت والجيش الأفغاني.

وفي 3 تموز 1979 وافق الرئيس الأمريكي آنذاك، جيمي كارتر، على تخصيص 500 مليون دولار "لإنشاء حركة إرهابية دولية تغطي منطقة آسيا الوسطى بإسلاميين أصوليين يثيرون القلاقل والفوضى في الاتحاد السوفييتي" حسب ما ذكر زبيغنيو بريجينسكي ، الذي كان آنذاك مستشاراً للأمن القومي لدى الرئيس كارتر. وقد أنفقت السي آي إيه في الأعوام التالية ما يزيد على أربعة مليارات من الدولارات في "عملية سايكلون": حيث قدّم "الخبراء" للمقاتلين "خبرات ومهارات تخريبية" في معسكرات تدريب في باكستان وفي ولاية فيرجينيا الأمريكية.  

أمّا حميد كرزاي فقد انضم سنة 1980 إلى الحرب ضد السوفييت ولكن كان ذلك من منفاه الباكستاني. فقد كان ناطقاً باسم جماعة من المجاهدين وأصبح سنة 1982 مديراً لعمليات جبهة التحرير الوطنية الأفغانية، التي أسسها الأستاذ صبغة الله مجدّدي سنة 1979 .

تمت في هذه الفترة الاتصالات الأولى لعائلة كرزاي مع المخابرات الباكستانية، هذا الجهاز الذي كان يشجع بالتعاون مع المخابرات الأمريكية على زراعة الأفيون وتجارته. وقد شجع الأمريكيون الأفغان في الثمنينات على زراعة الأفيون للحصول على المال اللازم لشراء السلاح الذي يحتاجه المجاهدون الأفغان لتحرير بلادهم من ربقة الاحتلال السوفييتي. وكان ميلت بيردن، رئيس الخدمات الخارجية في السي آي إيه، يجند المقاتلين الأفغان ويدربهم في وحدات قتالية بين 1986 و 1989 . وقد صرّح بيردن بعد ذلك بأعوام طويلة، أنّ الولايات المتحدة والمملكة السعودية العربية قد ضخّتا ما يربو على 3,5 مليار دولار للمجاهدين في أفغانستان والباكستان، هذا طبعاً بالإضافة إلى الأسلحة والمخدّرات التي كانت "أهمّ الصفقات في المنطقة".

في هذه الأثناء كان حميد كرزاي ينظّم خطوط الإمداد للمجاهدين بالتعاون مع مساعديه الأمريكيين، وأصبح في منتصف الثمانينات رجل الاتصال الأوّل بين مجموعات المجاهدين من جهة وبين الحكومة الأمريكية والسي آي إيه من جهة أخرى. وكان ينظم إمدادات الأسلحة ويؤمن وصولها.

قدّمت منظمة الأمم المتحدة سنة 1988 خطة سلام لأفغانستان ولكن الحرب الأهلية استمرت. وفي شباط 1989 التقى المجاهدون في روالبندي الباكستانية وانتخبوا صبغة الله مجدّدي، رئيساً لحكومة المنفى.

وحينما انسحب الجيش السوفييتي من أفغانستان في بداية سنة 1989 ، وضعفت حكومة محمد نجيب الله الوطنية اليسارية، لم تتخلّ السي آي إيه عن بعض أعوانها وموّلت نزوح حميد كرزاي وبعضاً من إخوته إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وهناك استطاع أن يتم دراسة الحقوق ويجمع مالاً وفيراً.

وعندما اندلعت النزاعات على الحكم في عهد حكومة برهان الدين ربّاني، ودمّر أمراء الحرب المحليون بلادهم، ظهر الطالبان على المسرح السياسي بدعم مالي من السعودية العربية وبمشورة ودعم لوجستي من السي آي إيه والمخابرات الباكستانية وشاركوا في القتال. وقد طلبوا المساعدة من حميد كرزاي الذي أمّن المال والسلاح والشرعية السياسية لمدارس القرآن.

دخل الطالبان إلى كابول سنة 1996 وأعلن الملاّ عمر الدولة الإسلامية. كما عرض على كرزاي منصب السفير لدى الأمم المتحدة، لعلاقاته الجيدة مع الغرب، إلاّ أنّه رفض هذا المنصب. خفّت حماسة كرزاي التي كانت في البداية، ولم تكن طالبان بالنسبة إليه إلاّ بديلاً عن فصائل المجاهدين الأخرى المقتتلين. كان كرزاي يعتبر نفسه سياسياً أكثر منه مجاهداً، لذلك لم يكن يرى أي تناقض بين صلاته الوثيقة مع الأمريكيين ومساندته لطالبان منذ 1994 ، خاصةً وأنّ الأمريكيين والباكستانيين ساعدوا طالبان بالوصول إلى سدّة الحكم.

في هذه الأثناء كان كرزاي يعمل مستشاراً في شركة يونوكال العملاقة للنفط، هذه الشركة التي كانت تساند طالبان طمعاً في مدّ خطّ لنقل النفط والغاز من الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى عبر أفغانستان. وفي 1995 بدأت يونوكال فعلاً بإجراء محادثات لإنشاء خط لنقل النفط والغاز من تركمانستان إلى الباكستان، وكان كرزاي حينذاك مستشاراً لهذه الشركة. وهكذا وقعت يونوكال في 23 تموز 1997 عقداً مع حكومة طالبان لإنشاء خط لنقل الغاز من تركمانستان عبر كانداهار إلى كويتا ومولتان في الباكستان. وقد دُعي بعض قادة طالبان إلى زيارة مصافي النفط في هيوستن ، تكساس، واستُقبِلوا استقبالاً ملكياً وزاروا مقر الرئيس بوش وأمكنة أخرى في هيوستن، وشربوا من الخمور المعتقة وأكلوا الأطعمة الفاخرة.

ساعدت الحكومة الأمريكية في مشروع إنشاء خط نقل الغاز بلا تحفظ، وقد سمحت واشنطن لطالبان بافتتاح مكتب دبلوماسي في نيويورك. وكانت الأمريكية ليلى هيلمز، مسؤولة عن العلاقات العامة ووقفت إلى جانب الطالبان وساعدتهم في كل مفاوضاتهم. ولكن يا لها من صدفة !! إنّ هيلمز هذه ابنة أخ رئيس السي آي إيه الأسبق ريتشارد هيلمز ومتزوجة من قريب لهما. والصدفة الأكبر !!: ليلى هيلمز تربطها بالملك الأفغاني السابق ظاهر شاه صلة قرابة وهي حفيدة وزير خارجيته، فايز محمد زكريا. وهكذا لم يكن من العجيب أن يجلس السيد حميد كرزاي إلى طاولة المفاوضات مع يونوكال أمام سيدة تنتسب إلى "قبيلته" .

لم تتم صفقة يونوكال لأن جمعيات الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، انتقدت العلاقات مع طالبان بشدة. ولكن العلاقة بقيت قائمة ولو بشكل غير رسمي، ففي النصف الأول من عام 2001  زارت الولايات المتحدة شخصيات مرموقة من طالبان ولقوا أبواباً مفتوحة في الأجواء الرسمية ولدى وسائل الإعلام. وبقيت الاتصالات مستمرة حتى أسابيع قليلة قبل الحادي عشر من أيلول 2001.

وكما ذكرنا، فقد ابتعد كرزاي عن طالبان منذ 1995 حينما ازداد تأثير أسامة بن لادن والقاعدة على سياسة الملاّ عمر. وابتدأ منذ 1997 بالاتصال ببعض الشخصيات الأفغانية في المنفى للتنسيق معهم ضد طالبان ولمحاولة إعادة الملك ظاهر شاه إلى أفغانستان. وقد طار عدة مرات بين الباكستان وواشنطن ليجري اتصالات مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ووزارة الخارجية للتباحث بشأن خطط لعملية واسعة وإثارة ثورة شعبية ضد حكومة طالبان. أحسّت طالبان بذلك وانتقموا منه شر انتقام باغتيال أبيه عبد الأحد في كويتا الباكستانية.

وحينما هاجم "الائتلاف ضد الإرهاب" طالبان والقاعدة في 7 تشرين الأول 2001 ، كرد فعل على أحداث أيلول، أعطى وزير الدفاع رامسفلد ومدير السي آي إيه تينيت، الضوء الأخضر لكرزاي للدخول مع ثلاثة رجال آخرين إلى جنوب أفغانستان، للاتصال مع زعماء البشتون وتشجيعهم على الثورة المسلحة ضد طالبان وإقناعهم بالقبول بعودة الملك السابق إلى كابول. ولكنهم هوجموا من قبل مئات من مقاتلي الطالبان واستطاعت مروحية أمريكية أن تنقذ كارزاي في الثانية الأخيرة، هذا الرجل الذي يحافظ على رباطة جأشه في أحلك الأوقات.

ومن ثم وافق "مؤتمر أفغانستان" الذي عُقد في بيترسبرغ بالقرب من بون، وبضغط من الأمم المتحدة والولايات المتحدة، في 5/12/2001 ، وضد رغبة الكثيرين من المؤتمرين، على تسمية حميد كرزاي رئيساً لحكومة انتقالية. وحينما استلم هذا المنصب فعلاً في 22/12/2001، أمطر الانتقاد عليه من كل جانب. وقال الزعيم القبلي جبّار أحمد خان: "إنّه دمية للولايات المتحدة ونحن لا نرضى به ولم يكن في الحقيقة مكافحاً ضد طالبان" . أمّا قلب الدين حكمتيار فقال: "إنّ الأمريكيين قد فرضوا علينا هذه الحكومة ولم يكن للأمم المتحدة دور يذكر في ذلك" .

بعد نصف عام من ذلك، انتخب السيد حميد كرزاي رئيساً للجمهورية. وقد كتب بيتر سايموندس، من مركز أبحاث العولمة، أنّ ضغطاً كبيراً مورس على الملك ظاهر شاه والرئيس الأسبق برهان الدين رباني، لعدم معارضة انتخابه. لم يكن كرزاي ضمن المخطط بدايةً ولكنه أصبح بديلاُ للزعيم البتشوني ، عبد الحق، الذي اختطفه الطلبان وأعدموه .

شأن كرزاي شأن أي دمية أخرى، خاضع لمساعدة الدول الكبرى سياسياً واقتصادياً، ولذلك فهو يرقص على نغمات مزمارهم. وأفغانستان في الواقع محتلّة من قبل الأمريكيين وحلفائهم ، ووضعوا في كابول حكومة لا تخرج عن إرادة واشنطن. وقد رأى كرزاي منذ البداية أنّ صلاته الوثيقة مع واشنطن هي مفتاح سياساته ، وفي مقابلة مع الواشنطن بوست في كانون الأول 2001، قال كرزاي: "إنّ أفغانستان ستكون حليفاً موثوقاً وصديقة للولايات المتحدة". ولا غرو في ذلك فالسلاح الأمريكي لا يزال يحمي حتى الآن دميته الرئاسية وتتولى شركة أمريكية حراسته.

قبل انتخاب بوش الابن لرئاسته الأولى بفترة وجيزة، كتبت كوندوليزا رايس في الفورين أفيرز: "ليس الجيش شرطة مدنية وليس حَكَماً سياسياً، كما أنّه بالتأكيد لا يبني مجتمعاً مدنياً" . فيا للعجب؛ لقد أصبحت رايس في حكومة بوش مسؤولة عن بناء المجتمعات واستلمت منصبها كمستشارة للأمن القومي لتطلب إعادة الجنود الأمريكيين من البلقان. إن طلبها هذا هو اليوم أشد ضرورة من أي وقت مضى فيما يتعلق بالعراق وأفغانستان. ولكن هل ستطلب إعادة "الجندي الدمية كرزاي" ؟ يبدو ذلك ممكناً، فالخبير الباكستاني بالشؤون الأفغانية، كمران خان، يؤكد أنّ: "كرزاي هو رجل السي آي إيه والاستخبارات الباكستانية"، جنديّهم، فهل يعيدوه إليهم ؟!

 

يورغن كاين كولبل                                                   ترجمة الدكتور هاني صالح