لماذا خرج المدعي العام الألماني، ديتليف ميليس، في هذا الوقت بالذات من تأملاته التي كان منذ خروجه من لبنان، مستغرقاً فيها؟ ولماذا اختار هذا الوقت ليدلي ببعض ملاحظاته حول التقرير الرابع للمحقق البلجيكي سيرج براميرتس؟ بعض الأفكار حول ذلك.
كيف يحاول كاتب ألماني أن يخفف من معاناة "جيمس بوند" الألماني، الذي لا يزال يجري خلف ظله؟ ومن ثمّ تلك "النتائج الغريبة" التي ظهرت نتيجة التحقيق في اغتيال رفيق الحريري: تاج ضرس لشخص غريب عن لبنان، ثلاث وثلاثون قطعة من جثة مجهولة، أدلّة كالرمل على البحر، انتحاري ليس من لبنان ولم يُقم فيه إلاّ لثلاثة أشهر قبل واقعة الاغتيال، وتهمٌ بتزوير أدلّة وشهادات.
"ضجة كبيرة والوليمة صغيرة". هذا ما قاله الشاعر الفرنسي جاك فاليه دي بارو، بسخرية حينما كان يجلس في حديقة على مائدة ليس عليها إلاّ بيض مقلي وبعض الزبدة، حينما أصابت المائدةَ صاعقةٌ. لم يكن المحقق البلجيكي، سيرج براميرتس، ليخاف من ضجة سماوية كهذه، حينما سلم تقريره الرابع إلى مجلس الأمن الدولي في 12 كانون الأول 2006 ، وهو المكلف برئاسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة، وجلاء ظروف اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، منذ كانون الثاني 2006 .
وكما يقول رئيس لجنة التحقيق؛ فإنّ التحقيقات التي تمت حتى الآن بحادثة اغتيال الحريري، التي قُتل فيها 22 شخصاً آخرون في 14 شباط 2005، قد وصلت الآن إلى "مرحلة حرجة ومعقدة"، كما "عُرفت هوية بعض المشتبه بهم وبعض الشهود"، كذلك تبيّن أنّ "هناك صلات بين هذه الحادثة واغتيالات ومحاولات اغتيال أخرى جرت في العامين الماضيين". وقد أعلن براميرتس بكل واقعية، أنه لن يناقش التقرير علناً حتى "لا يعرض المحققين والشهود إلى أية أخطار"، وحتى "يتجنب اتهامات مسبقة قد تنطلق ضد بعض الشهود أو ضد من لا يزالون في دائرة الاشتباه".
شبح يلاحق ديتليف ميليس:
فاض الكيل بشخص تسبقه سمعته مثل هزيم الرعد، حينما سمع بتقرير المحقق البلجيكي. ليس هذا الشخص إلاّ ديتليف ميليس، الذي خانته أعصابه فبل أيام قليلة من نشر "نتائج تحقيق" خَلَفه وراح يكيل العبارات السامة لهذا البلجيكي وللأمم المتحدة . فهو يدّعي أنّه جمع أسماء كل "المشتبه بهم" في اغتيال الحريري كما يجمع المرء طوابع البريد، قبل إنهاء تكليفه في شهر كانون الأول من عام 2005.
يقبع وراء القضبان منذ خمسة عشر شهراً أربعة من قادة أجهزة الأمن السابقين في لبنان بناءً على "توصيات" هذا المحقق الألماني، دون أية تهمة وُجهت إليهم. وقد انهارت، منذ كانون الأول سنة 2005، كل الأدلة التي ادّعاها ميليس ضد هؤلاء الضباط واتهمهم بأنهم نفّذوا عملية الاغتيال بالتعاون مع حكومة دمشق. إذ عُرف آنذاك أنّ بعض شهود الاتهام قدموا شهاداتهم "بالإكراه أو الإغراء". وهاهو ميليس يعيد الآن، بعد عام كامل على فشله في التحقيق، في مقابلة مع مجلة "شتيرن" الأسبوعية الألمانية في 6 كانون الأول 2006 ، عويله القديم، من أنّه لا يزال على "قناعته بأنّ الرئيس السوري بشار الأسد، متورط في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وأنّه بعد تحقيقات دامت ستة أشهر، استجوب فيها ما يزيد على ستمئة شاهد وقيّم فيها عشرات الآلاف من الوثائق وبضعة ملايين من المكالمات الهاتفية، أعلن في كانون الثاني 2006 أنّ ضابط الاستخبارات السوري غزالي، هو أحد منظّمي هذه الحادثة".
وقد قال لمجلة شتيرن؛ أنّه أعطى لخلفه براميرتس، عند تسليمه مهامه في كانون الثاني 2006، "أدلّة وشهادات" ونصحه أن "يستجوب الرئيس السوري كمتّهم لا كشاهد". وهاهو ميليس يتهم الآن خلفه براميرتس، بأنّه حتى الآن "لم يُعط أمراً باعتقال أحد ولم يقدم معلومات حاسمة، وهو يماطل في تحقيقاته". ولم تسلم الأمم المتحدة من صفعة من مجلة شتيرن نفسها التي كتبت أنّه "بعد أن أخبر ميليس في تشرين الأول 2005 أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان، في جلسة سرية، بما توصل إليه في تحقيقاته، قام مساعد الأمين العام للشؤون السياسة، إبراهيم غمبري، بعد خمسة أيام فقط، بإعلام السفير السوري لدى الأمم المتحدة، فيصل المقداد، بما دار في هذه الجلسة السرية، وهذا ما جعل السوريين يعرفون مخططات ميليس في وقت مناسب لهم" (1).
وفي 17 كانون الأول 2006 تنطّح الصحفي والكاتب أوليفر شروم، للكتابة في مجلة شتيرن، ليدعم الظهر المكسور للسيد ميليس المهزوز. ولم يتوان هذا الإعلامي عن أن يكتب بلا تردد: "حينما كان المحقق الألماني ديتليف ميليس لا يزال يحقق في جريمة اغتيال الحريري، كان يعلن عن تقدمه في عمله بين الفينة والأخرى. ولكنّ هذه العملية تتعثر الآن. فهل يحافظ المحقق الدولي الجديد على سمعة السوريين بناءً على توصية من كوفي أنان؟ " وانتقد شروم المحقق براميرتس لأنّه " يضيع في التفاصيل التقنية، كما فعل ثلاث مرات من قبل…. ولا يسمّي المجرمين ومن خلفهم ". وراح يسرد، كما يقرأ عابدٌ دعاءه دون تلكؤ، ما ثرثر به ميليس قبل ذلك بأيام في السادس من كانون الأول 2006: "كانت الجريمة قد اتّضحت بالكامل تقريباً عندما استلم المحقق الجديد براميرتس عمله في كانون الثاني 2006 . إذ إنّ سلفه الألماني ميليس كان قد بدأ تحقيقه قبل ذلك بحوالى ستة أشهر، بضربة مدوّية، حينما أمر بتفتيش بيت العميد مصطفى حمدان ومكتبه وهو القائد القوي للحرس الجمهوري المكوّن من ثلاثة آلاف من جنود النخبة وله أفضل العلاقات مع السوريين. وقد استجوب ميليس، مع طاقمه، ما ينوف على ستمئة شاهد وحلل ملايين الاتصالات الهاتفية وراجع الحسابات المصرفية للعديد من ضباط المخابرات اللبنانيين والسوريين."
وحسب وجهة نظر أوليفر شروم، التي هي بالطبع وجهة نظر ميليس، فإنّ "الأدلّة في التحقيق حول اغتيال الحريري، تقود إلى ضباط أمن وضباط جيش لبنانيين وكذلك إلى ضباط رفيعين في أجهزة المخابرات السورية وإلى صهر الرئيس بشار الأسد وأخيه. كما استجوب ميليس قُبيل انتهاء مهمته، نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، في منفاه الباريسي، الذي اتهم الأسد بأنه هو الذي أعطى الأمر شخصياً باغتيال الحريري، وهذا ما توصلت إليه تحقيقات ميليس التي أجراها مع شهود آخرين أيضاً. " ويا له من شاهد هام ! حينما استجوب ميليس خدام، كان هذا يسكن منذ زمن في إحدى فيلات الحريري الباريسية. إنها بالتأكيد ليست صدفة، فقد عززت حفيدة خدام بزواجها من أحد أبناء الحريري، عرى الصداقة العائلية التي تعود إلى عدة عقود سابقة والتي ثبتتها المصالح المالية.
صرخة إنقاذ لشبيهين بجيمس بوند:
لقد أصبحت سمعة "المحقق النجم" الألماني حقاً موضع جدل ونقاش. فسمعته "كذئب مفترس" في لبنان، تراجعت أمام اللقب الجديد: "مهرّج المدينة" ( Clown in Town)، خاصةً بعد أن أعلن محامو جميل السيد، أحد الجنرالات الأربعة المعتقلين، في 12 تشرين الثاني الفائت في مؤتمر صحفي عقدوه في فندق شيراتون كورال بيتش في بيروت، أنّ ميليس وطاقمه قد "زوّروا الأدلّة" و "رتبوا شهودهم" حتى "يرموا اللواء السيد في السجن" . وقد وصف محامو الدفاع الفرنسيون أنطوان قرقماز ورافائيل نيرون وجيرو براويل، موكلهم على أنّه "سجين سياسي عُرضت عليه الحرية" فيما إذا ساند بالمقابل "شاهد زور يتهم سورية صراحة بأنها كانت خلف اغتيال الحريري" . وأكّد قرقماز أنّ اللواء السيد اجتمع قبل اعتقاله بأسبوعين "ثلاث مرّات سرّاً بمعاون ميليس، غيرهارد ليمان، الذي طلب إليه أن يسمي الأشخاص المسؤولين عن اغتيال الحريري من السوريين، وإلاّ فإنّه سيسجن، ولكن السيد أجاب ليمان في كل مرة أنه لن يتهم بريئاً". واستمر المحامي يقول "إنّ ميليس وطاقمه استمروا بعدائية شرسة، بفبركة الأدلة واستجواب شهود وهميين" . وهاهو اللواء السيد يقبع في سجنه منذ خمسة عشر شهراً بناءً على "توصية" من ميليس وليس بناءً ولو على "قرينة واضحة واحدة "، كما انّه "لم يُتّهم بشكل رسمي"، فكل القرائن التي قدّمها ميليس و براميرتس "ليست بذات قيمة، خاصةً وأنّهما كليهما لم يستطيعا تأكيد تورط موكلنا بهذه الجريمة" (2).
وعلى ما يبدو فقد أعدّ أوليفر شروم بعض الأمور ليحسّن سمعة المدّعي العام الألماني ميليس، الذي تلقى صفعات مؤلمة في بيروت.وإلى ذلك فقد تلقّى المحقق الألماني وسام الاستحقاق الألماني لقاء عبقريته التي أثبتها في بيروت، وما ذلك إلاّ لأنّ الخارجية الألمانية تريد التخفيف من هذه الفضيحة. ومن المتوقّع أن يصدر كتاب شروم الجديد في 18 آذار 2007 تحت عنوان : " قتلة في لبوس دعاة السلام – سورية وحزب الله واللعبة المُريبة للأمم المتحدة ". وقد ذُكر منذ الآن في الدعاية لهذا الكتاب الموعود : " أنّ المدعي العام الألماني ديتليف ميليس، قام، بتكليف من الأمم المتحدة، بالتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، منذ أيار 2005 وحتى كانون الثاني 2006 . لقد هزّت هذه العملية البلد بكامله وخرجت موجة من المظاهرات الاحتجاجية اضطرت النظام السوري لسحب قواته بعد احتلال دام ثلاثين عاماً لهذا البلد الجار. وهكذا طُلب إلى ميليس أن يكشف المسؤولين عن هذه الجريمة، إلاّ أنّ الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا مارست عليه ضغطاً لتستغلّ نتائج تحقيقاته في خدمة أهدافٍ سياسية مختلفة وربما كان أحدها اتّخاذ ذريعة لغزو أمريكي جديد لسورية هذه المرة. ولكن ميليس تمكن من التحرر من هذه الضغوط والتأكيد على أنّه لا يخاف أحداً ولا يمكن للتهديدات بالقتل أن تثنيه عن عمله. ولكن نتائج تحقيقاته لم تلائم في النهاية رغبات القوى المؤثرة في الأمم المتحدة ومخططاتها ولم يرد أن ينحني أمام رغبات هذه الدول. وهكذا راح ميليس يبحث دون أن يلوي على شيء، عن آثار تقوده إلى الحقيقة. وهاهو أوليفر شروم، الصحافي الوحيد الذي بقي على اتصال وثيق طيلة أسابيع طويلة، بميليس ومساعده وكل طاقمه الاختصاصي، قد استطاع بعد أبحاث دامت أشهراً في الشرق الأوسط وفي فيينا ونيويورك، أن يكتشف بعض الأحداث التي تود الحكومة الألمانية أن تحجبها عن الرأي العام كالتعاون السري الذي تم بين جهاز الاستخبارات الألمانية وأولئك المسؤولين المفترضين عن التخطيط للجريمة وتنفيذها. وهكذا يقدم شروم للقارئ في كتابه الجديد تقرير شخص مطّلع على بواطن الأمور ويشرح له صفحات من السياسة العالمية بأسلوب جنائي واقعي ومثير." (4)
ولكن شروم، الذي يجند نفسه بكل حماس للدفاع عن ميليس يربط الكثير من الأمور بمساعده في بيروت ، غيرهارد ليمان، الذي " لا يعرف عن وجوده وعن الأعمال المكلف بها إلاّ حفنة قليلة من العاملين في مكتب الأمن الجنائي الاتحادي الألماني " ففي سنة 2005 ، نشر شروم، في مجلة شتيرن، " ملحمة بطولة " تحت عنوان " مهمة خطيرة – قصة ألماني ناجح في ملاحقة الإرهابيين " . في هذه القصة يندسّ ليمان، " بناءً على أوامر رؤسائه، في شخصية ريتشارد بوتشر التي تصبح جلداً ثانياً له طيلة عدّة أعوام ". ونقرا في هذه "الملحمة" أنّ ريتشارد بوتشر " رجل المهمات الصعبة الذي لم يتفوق عليه أي محقق آخر طيلة خمسة وعشرين عاماُ، بعدد ما كشف من جرائم وبعدد الإرهابيين الذين وضعهم خلف القضبان. استطاع أن يلاحق الإرهابي سيئ السمعة كارلوس، واكتشف حقيقة الجيل الثالث من كتائب ر ا ف ، كما استطاع أن يمنع حصول بعض العمليات الهجومية لبعض الفصائل الفلسطينية. واليوم يحقق هذا العامل في خدمة مكتب الأمن الجنائي الاتحادي الألماني، وبتكليف من الأمم المتحدة، مع أعضاء منظمات إرهابية دولية. وقد أطلع هذا المحقق الصحفي والمؤلف أوليفر شروم، على خلفيات ومسار عمليات لمكافحة الإرهاب، كانت لا تزال سريةً حتّى الآن."
لا يزال غيرهارد ليمان يظهر في العناوين الرئيسية للصحافة وبالذات في تلك العناوين السلبية التي تشكل شوكةً في حلق السياسة الخارجية الألمانية : فموظف مكتب الجنايات الاتحادي الألماني، كان قد استجوب خالد المصري الذي كان مسجوناً في العاصمة الأفغانية كابول، عدة مرات، وهو ألماني من أصل لبناني اختطفته المخابرات المركزية الأمريكية. وهناك الآن لجنة تحقيق من البوندستاغ (البرلمان الألماني) تحقق بسرية ودون أن تصل إلى نتيجة حتى الآن، بالاتهامات الموجهة إلى ليمان حول مساعدته للمخابرات الأمريكية بالتحقيق مع المصري في كابول تحت اسمه المستعار "سام" وبالتعاون في تعذيب المعتقلين مع مخابرات أجنبية.
لقد أكّد محامو اللواء السيد لكاتب هذه السطور أنّه من الممكن في أي وقت " أن يتقدموا بدعوى في أوروبا، ضد كل من ميليس وليمان، إلاّ أنّهم يتمهلون للتأكّد من بعض الأمور…. " ولا يخفى ذلك بالتأكيد على ميليس وليمان وشروم؛ وربما كان ذلك أحد حوافز هذه "الحملة السوقية الأخيرة" التي يقوم بها هذا المدعي العام الألماني وأمين سرّه والكاتب باسمه. وأخيراً فليس ذلك إلاّ "جعجعة" للتمهيد لنشر كتاب شروم للدفاع عن ميليس . وأي قارئ ألماني سوف يهتم لتحقيقات لا أساس لها من المهنية والعمل القضائي الصحيح ؟! أغلب ما في الأمر أنها الفرصة الأخيرة لميليس لمحاولة تحسين سمعته التي أصبحت في الحضيض.
وهكذا يحاول شروم تحسين وتلميع صورة ميليس, الشخصية الرئيسية في تمثيليته، حتى يجعل من رؤيته للأمور في التحقيق باغتيال الحريري أمراً مقبولاً لدى الرأي العام. ويؤكد هذا الصحفي في مجلة شتيرن أنّ ميليس لا يزال مصرّاً على أنّ :" عملية الاغتيال تمت من خلال التآمر بين ضباط أمن لبنانيين وسوريين" . وبناءً على ذلك فقد نصّت إحدى الجمل الأخيرة في تقرير ميليس الذي قدمه إلى مجلس الأمن في 25 تشرين الأول 2005 ، على أنّ " هناك أدلة عديدة تشير بشكل مباشر إلى أن ضباطاً سوريين متورطون في عملية الاغتيال ."
ويروي شروم على لسان "الشخصية الرئيسية في هزليته" أنّه قال بعد أن سلم مهام التحقيق في بيروت إلى خليفته براميرتس في 23 كانون الثاني 2006 : " إنني أستطيع بما أملكه من أدلّة وشهادات أن أتقدم غداً بقرار الاتهام إلى المحكمة ". ويضيف شروم أنّ ميليس نصح المحقق البلجيكي " باعتقال رستم غزالي واستجواب الرئيس الأسد كمتهم لا كشاهد ". ولكن الشحوب علا وجه براميرتس لسماع ذلك، حسب قول شروم. وعلى أي حال فليس براميرتس في نظر ميليس هذه الأيام إلاّ أداة " منذ أن عدل عن استجواب الرئيس الأسد ولم يذهب إلى الموعد الذي كان محدداً في دمشق ، وذهب عوضاً عن ذلك ليبحث ميزانية اللجنة في نيويورك ". ويبدو في نفس الوقت أنّ ميليس يتدرب على "استدرار المديح" لأنّه يشير ، نافخاً ودجيه ، إلى أنّ براميرتس " قد سرّح أثناء وجوده في نيويورك، الكثير من كبار المحققين الذين كانوا يعملون معه (مع ميليس) وضاعف عدد طاقمه من تسعين إلى مئة وثمانين" بينما هو، المحقق النجم الألماني، " اكتفى باثني عشر مليون دولار في ستة أشهر" وهاهو خلَفُه " يطلب ستين مليون دولار كميزانية سنوية"
ثم تستمر الشكوى، ففي " الأحد عشر شهراً التي مضت على استلام براميرتس لمهامه، لم يأمر باعتقال أحد ولم يتهم أحداً. كما قدّم ثلاثة تقارير يعرب فيها عن رضاه عن التعاون السوري" ، ثمّ إنّه في الخامس عشر من حزيران الفائت قال :" إنّ التعاون مع الجمهورية العربية السورية قد تطوّر نحو الأفضل ، وإنّ لقاءات عدة قد تمت مع الرئيس ونائبه ".
ويتمادى شروم ويقول :" منذ فترة قصيرة ينظم حزب الله في بيروت، تظاهرات ضد رئيس الوزراء السنيورة، الذي وافق على المحكمة الدولية دون حضور وزراء حزب الله ، … " ويعيد ذكر الادعاءات بتوجيه التهديدات من الرئيس الأسد ووزير الخارجية المعلّم للحريري بتصفيته، ويدّعي وجود شريط مسجل بذلك قُدّم إلى ميليس.
من الواضح أنّ ميليس يعيش بأمل الحصول على " قدْر ولو بسيط من الرضا "، ولكن هيهات له ذلك، فليس من المعقول ألاّ تصل إلى مسامعه وتقض مضجعه ليلة تلو الأخرى، كلمات المطرب السوري علي الديك :" تقريرك يا ميليس لا يساوي فلساً ، تود أن تخرجنا بحركتك السياسية عن الطريق وتضعنا خلف القضبان أو تقتلنا ".
براميرتس – القابض على الضباب:
والآن بعض الملاحظات على معلومات سيرج براميرتس القديمة الجديدة، فقد نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عند ظهور التقرير الأخير أنّ "دوائر سياسية في بيروت تؤكد أنّ المحقق الخاص يتكتم على المعلومات التي حصل عليها إلى آخر دقيقة. وهذه الاستراتيجية عادية ومنطقية في تحقيقات كبرى وخاصة إذا كانت هناك شبهات تدور حول حكومات أيضاً." ولكن ومع كل هذه التصريحات بالفم الملآن، لا يجوز أن نتغاضى عن حقيقة أنّ براميرتس لا يزال يفكر في احتمالات عدة قد تكون ضمن الدوافع التي أدّت إلى اغتيال الحريري. فقد أورد في تقريره الأخير عدة احتمالات "غير مكتملة" ؛ منها أن تكون فئة متطرفة قد قامت بعملية الاغتيال بسبب ارتباطات الحريري بدول أخرى في المنطقة، ومنها احتمال اغتياله بسبب موقفه الرافض لما جاء في القرار 1559 من نزع سلاح حزب الله، وقد يكون السبب موقفه المؤيد للتمديد للرئيس لحود، أو الخوف من إمكانية نجاحه الساحق في انتخابات 2005 ، أو صلته مع صحيفة النهار ، أو ربما احتمال تورطه في فضيحة بنك المدينة ، إلى غير ما هنالك من الأسباب المحتملة الأخرى.
ومع أنّه لا شيء ثابت حتى الآن باستثناء عملية اغتيال الحريري بحد ذاتها، فإنّ المحقق البلجيكي يبدو على الأقل واثقاً أكثر من أي وقت مضى، أنّ هناك انتحارياً قام بعملية التفجير الماحقة هذه والتي أودت بحياة الحريري. إذ يفترض أنّ شخصاً " في العشرينات من عمره لم يكن مقيماً في لبنان لا في فترة صباه ولا في العشرة الأعوام الفائتة" بدليل التحاليل التي أجريت على ثلاث وثلاثين قطعة أمكن جمعها من بقايا جثته ، وإنما أقام في لبنان فقط "فترة الشهرين أو الثلاثة الأشهر السابقة لاغتيال الحريري لينفذ هذه العملية " بتفجير نفسه في شاحنة ميتسوبيشي صغيرة معبّأة ب 1800 كغ من المواد المتفجرة. كما قيل إنّ تاج الضرس الذي وُجد ونُسب إلى هذا الشخص المجهول، " يحمل دلالة واضحة مميّزة …. لا توجد في لبنان إلاّ نادراً."
كما اعتبر براميرتس اللاجئ الفلسطيني أحمد أبو عدس " انتحارياً مفترضاً " بغض النظر عن حقيقة أنّه من الثابت أنّ أبا عدس هذا قد أمضى جلّ عمره في لبنان. إلاّ أنّ أبا عدس كان قد اعترف في شريط فيديو أنّه سيغتال الحريري.
لم تُعرف أية معلومات إضافية والتقرير الرابع كان أيضاً تقريراً فنياً. ولكنّ ما هو مثير للاهتمام هو معرفة ما إذا كان الطب الشرعي يستطيع تحديد وقت وفاة صاحب القطع الثلاث والثلاثين الذي افترض أنه هو الانتحاري الذي نفذ الجريمة . إذ إنّه من المعروف أنّ أبا عدس كان قد اختفى قبل وقوع الجريمة بأسابيع عدّة. والذكيّ من يتصور أنّ جثة "لم يمض عليها وقت طويل" ، قد وُضعت في الشاحنة بقصد إعطاء دلالة كاذبة " عند الضرورة ".
وبفضل هذه الشاحنة التي كانت تحمل 1800 كغ من المتفجرات تحت مؤخرتها، أمكن تجاوز عقبة إبطال عمل أجهزة الإنذار التي تحتوي عليها سيارات موكب الحريري. ولم يحدد هذا التقرير فيما إذا كانت هذه الأجهزة قد صنعت في إسرائيل أو ربما _ والله أعلم _ في بابوا غينيا الجديدة !. وعلى أي حال فإنّ براميرتس ترك على الأقل الاحتمال مفتوحاً أمام فرضية أنّ "مخزن المتفجرات المتنقل" الذي سُرق في اليابان، قد يكون أُشعل من الجو، تماماً كما حصل أثناء اغتيال الأخوين المجذوب. ففي هذه الحادثة فجّرت المخابرات الخارجية الإسرائيلية (الموساد) من طائرة كانت في أجواء صيدا في 25 أيار 2006، وبواسطة أشعة الليزر، سيارةً مفخخة كانت قد جُهزت في وقت سابق.
يورغن كاين كولبل ترجمة الدكتور هاني صالح
المحقق الدولي براميرتس يماطل في تحقيقاته باغتيال الحريري – ميليس ، سلف براميرتس ، يعتبر الرئيس السوري الأسد واحداً من مدبِّري اغتيال الحريري – أمين عام الأمم المتحدة أنان، يسرّب للسوريين خطط ميليس.