كان رجل يعيش في دولة تشو إن لاي، يبيع الدروع والرماح.
كان يباهي ببضاعته ويقول: "دروعي قوية لا يخترقها شيء". وبنفس الأسلوب يقول: "رماحي حادةٌ تخترق كل شيء في العالم".
سأله يوماً سائل: "ما الذي يحصل إذا رميتُ درعَك برمحك؟"
فلم يُحِرِ الرجل جواباً.
(الفيلسوف الصيني هان فاي زي 280 – 233 ق.م.)
إطلاقٌ قبل الشروق:
كذلك فعل المسؤولون في واشنطن ولم يدروا ما يقولون، حينما أبلغتهم أجهزة استخباراتهم متأخرةً أنّ بكين قد أطلقت في الحادي عشر من كانون الثاني 2007 ، الساعة 5,26 مساءً بالتوقيت المحلّي لمدينة نيويورك، صاروخاً مزوّداً بما يسمى "العربة القاتلة"، على قمر صناعي صيني من طراز F engyun-1C ، (1)كانت قد أطلقته سنة 1999 للحصول على معلومات مناخية. وقد أُطلق هذا الصاروخ متوسط المدى من القاعدة الكونية كسي تشانغ في جنوب غرب الصين، ليصيبَ هذا التابعَ الذي يدور حول الأرض على ارتفاع حوالي 800 كم، بأربع وتسعين دقيقة قبل شروق الشمس في الصين، ويمزّقه إلى أكثر من أربعين ألف قطعة، كما قال الخبراء. وقد ذكرت مجلة تقنيات الملاحة الجوية والسفن الفضائية Aviation Week and Space Technology بتاريخ 17 كانون الثاني 2007 ، أنّ بقايا هذا التابع الصناعي قد شوهدت في الكثير من الدول "ولم تأت مصادقة الحكومة الأمريكية على ذلك إلاّ في وقت متأخر".
يلفت النظر في هذه الحادثة أمران: أوّلاً لم ير ولم يسمع أحد هذا الانفجار، وثانياً أنّها أوّل نجاح من نوعها. علماً أنّ الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي السابق كانا قد أعدّا وطوّرا أثناء الحرب الباردة، عدّة برامج للصواريخ المضادّة للأقمار الصناعية، ولكنّ الذي استطاع الصينيون تحقيقه مطلع هذا العام، وضع كل البرامج الأخرى في الظل. فقد كانت مقاتلة أمريكية من طراز ف 15 قد أطلقت صاروخاً على قمر صناعي للأبحاث S “ Solwind-78-1” ولكن كان ذلك من الجو. ومع أنّ البنتاغون قد أنفق ما يربو على 400 مليون دولار لتطوير تقنيات متقدمة في هذا المجال، لم يصل أي من هذه المشاريع حتّى إلى مرحلة الاختبار. ومن ناحية أخرى فإنّ سرب مراقبة الفضاء 76 ، التابع لسلاح الجو الأمريكي والموجود في قاعدة بيترسون، كولورادو، يمتلك "تقنيات مضادّة" هجومية ودفاعية من نوع آخر. وتستطيع هذه الطواقم، من وجهة نظر تقنية، أن "تعطل اتصالات الأقمار الصناعية المعادية" لا أكثر ولا أقلّ.
"إنّ نجاح هذا الاختبار الصيني لسلاح مضادّ للأقمار الصناعية يعني أنّ هذه الدولة قد أصبحت تمتلك تقنيات أساسية هامة (تقنيات الاستشعار ومتابعة المسار) وتتمكن من استخدامها لعمليات كونية عسكرية متطورة. إذ تستطيع الصين الآن أن تستخدم قدراتها في ‘رقابة الفضاء’ كسلاح سياسي، وهذا ما يساعد على بسط سيطرتها الإقليمية والكونية المتنامية"، هذا ما كتبه المحلل العسكري كريغ كوفولت، في أسبوعية "تقنيات الملاحة الجوية والسفن الفضائية" ولخّص به تلك الحادثة الملفتة (2). لم يُعرف أنّ الصين تعمل على تطوير أنظمة مضادة للأقمار الصناعية إلاّ في شهر آب من العام الماضي حيث أخبر موظف أمريكي رفيع المستوى أنّ الصينيين قد استطاعوا قبل فترة وجيزة أن "يعموا" قمراً صناعياً أمريكياً بأشعة الليزر من قاعدة أرضية. وقد قال دونالد كير، مدير مكتب الاستطلاع القومي، الذي يعمل بتعاون وثيق مع السي آي إيه، في حينه، "لقد شغل ذلك بالنا كثيراً وحثنا على التفكير مليّاً".
الصين تندفع إلى الفضاء الخارجي:
حاولت الصين في ذلك الوقت أن تقلد الروس والأمريكيين وترسل روّاداً إلى الفضاء. إنّ الخروج من الأرض والتعرف إلى عوالم السماوات الأخرى المحيطة به، حلمٌ راود الإنسان منذ القديم. فقد أعطى شعراؤنا الأقدمون تصوّراً محسوساً لهذه التخيّلات. إذ أطلق الشاعر الروماني المعروف، أوفيد (43 – 17 ق.م.) "فيتون" (ابن إله الشمس الروماني)، إلى الشمس وأطلق الشاعر السوري الساخر، لوكيان ساموزاتا (120 – 180 م.) "مينيبوس" (فيلسوف يوناني ساخر في القرن الثالث قبل الميلاد)، بجناح نسر وجناح صقر في مجاهل السماء الزرقاء، ليصل بعد ثلاثة آلاف ميل إلى محطته الأولى على القمر، ثم ليتجاوز الشمس ويصل مرفرفاً إلى مقر الآلهة. وليأتي بعد ذلك رجل الدين البريطاني فرانسيس غودوين (1562 – 1633 م.) ، متأثراً، على ما يبدو، بدراسات غاليليو غاليلي حول القمر، ويطلق في روايته "رجل على القمر"، الإسباني دومينغو غونزاليس، إلى هذا التابع الأرضي. كذلك كانت هذه المادة حافزاً أكيداً للروائي جوناثان سويفت في روايته "رحلات جيليفر".
سبق الخيال التقنيات بقرون طويلة، فبحوالي ثمانية قرون قبل غودوين وقبل الشاعر الفرنسي سيرانو دو بيرجيرا والروائي الألماني غريملزهاوزن، الذين أطلقوا شخصياتهم الروائية الخالدة إلى عالم الفضاء، ابتدأت حكاية غزو الفضاء لدى الصينيين بصنع أول صاروخ، حيث استخدموا مزيجاً قابلاً للاشتعال مكوّناً من بعض النباتات الطبيعية والمواد الأخرى كالكبريت وغبار الفحم وملح البارود (نيترات البوتاسيوم) واستخدموه سلاحاً في حروبهم وأسموه "رمح النار الهوجاء". كذلك استطاع الصينيون قبل الميلاد، أن يطوّروا صاروخاً صغيراً واستخدموا البارود لإطلاقه واستعملوه في حروبهم. وتثبت الوثائق أن الجيش الصيني كان يملك سنة 1161 م. "وحدات صاروخية" تصل قذائفها إلى حوالي ثمانين متراً. وقد استخدمت هذه الصواريخ، على سبيل المثال، في حصار مدينة أوين كينغ الصينية سنة 1232 .
وهكذا يمكن القول إنّ هذه الصواريخ الصينية "التاريخية" لم تكن إلاّ طلائع الصواريخ الحديثة. فبعد تأسيس الجمهورية الشعبية سنة 1949 ، بدأت الصين بتطوير نشاطاتها الملاحية الفضائية. وكانت لدى الاختصاصيين الصينيين منذ البداية خبرة مناسبة وتقنيات جيدة. واللافت للنظر أن هناك توازياً واضحاً بين بدايات أبحاث الملاحة الفضائية لدى كل من الصين وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية. فالتقنيات الصينية اعتمدت بشكل أساسي على التطورات التقنية الألمانية وتمكن الصينيون من الاستفادة من المعلومات التي حصلوا عليها حول الصواريخ الألمانية الرائدة في فترة الحكم النازي ومن خبرة المهندسين الألمان التي وصلت إلى الصين بطرق غير مباشرة. ولكن المقاطعة السياسية المتكررة والصعوبات الاقتصادية التي عانت منها الصين في فترات متعددة، أثرت سلباً على استمرار تطوير الأبحاث الفضائية. ولكن هذا لم يمنع من إطلاق القمر الصناعي الصيني الأول سنة 1970 وأخيراً إرسال أول رائد فضاء صيني في 15 تشرين الأول 2003 على متن السفينة الفضائية شينزهو 5 .
الصين تؤلم واشنطن:
يدور القمر الصناعي الصيني للأبحاث المناخية منذ كانون الثاني 2006 في مدار على ارتفاع مناسب لأقمار التجسس الأمريكية، وهذا يدل على أن الصين قادرة، ولو نظرياً على الأقل، على تدمير هذه الأجسام. وهذا ما يذيق الأمريكيين الذين يعتمدون على هذه الأقمار التجسسية في استطلاعهم العسكري وفي مكافحتهم للإرهاب، طعماً أمرّ من الحنظل.
صرّح الناطق باسم مجلس الأمن القومي، غوردن جوندرو، بعد أن علت الأصوات الشاكية في الإدارة والبنتاغون في واشنطن أنّ " تطوير هذه الأسلحة واختباراتها من قبل الصينيين، لا تتفق مع روح التعاون الذي تطمح إليه كل من الدولتين في مجال الملاحة الفضائية المدنية." أمّا توني سنو، بوق البيت الأبيض، فقد ظهر كعادته، "قلقاً" إذا ما مُسَّت المصالح الأمريكية. وقد شكا الأمريكيون من أنّ الصين لم تعلن عن هذا الاختبار الذي "يمثل تهديداً غير مباشر لأنظمة الدفاع الأمريكية".
ولم تتأخر اليابان وأستراليا وكندا وأوروبا "الميركلية" (إشارة إلى رئاسة ألمانيا للاتحاد الأوروبي حالياً) عن الانتقاد الحاد لهذه الاختبارات الصينية. ومع أنّ وزير خارجية اليابان، تارو آسو، قد صرّح في 19/1/2007 ، أنّ "الجانب الصيني قد أكّد أنّ الاختبار الأخير لا يتعارض مع الاستخدام السلمي للفضاء" وجد نفسه مدفوعاً من البيت الأبيض الأمريكي ليعبر عن قلقه جرّاء ذلك، إلى وزارة الخارجية الصينية. أمّا رئيس الحكومة اليابانية ، ياسوهيسا شيوزاكي، "القلق" أيضاً، فقد طلب المزيد من الإيضاحات: "إن اليابان قلقة جداً من منظور أمنها القومي ومن منظور الاستخدام السلمي للفضاء. ومع أنّ اليابان لا تعتبر هذه الأبحاث والاختبارات الصينية تهديداً مباشراً لها، ترى أنّ على بكين أن تعرف أنّ النقص في الشفافية يؤدي إلى عدم الثقة."
وفي 23 كانون الثاني الجاري، انضم الاتحاد الأوروبي إلى كورس المنتقدين، وقد ذكر التصريح الذي أذاعته الرئاسة الألمانية الحالية لمجلس الاتحاد الأوروبي تحت راية أنغيلا ميركل، أنّ "الاختبار الصيني يتعارض مع المساعي الدولية لمنع سباق التسلح في الفضاء. ويؤكد الاتحاد الأوروبي على موقفه من أنّ الأبحاث الفضائية والاستفادة من الفضاء، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى، يجب أن تكون لأهداف سلمية ولصالح كل الدول."
وفي نفس اليوم أعطت بكين أول تصريح علني حول هذا الموضوع وأكّدت أنّ الصين هي أيضاً ضد أي سباق للتسلح في الفضاء، إذ قال الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية: "لم يكن الاختبار موجّهاً ضد دولة بذاتها ولم يشكل تهديداً لأي دولة." وقد أكّد الصينيون حتى الآن، على عكس الولايات المتحدة الأمريكية، أنّ برنامجهم الفضائي ذو طبيعة دفاعية وسلمية. وليست بكين بل الإدارة الأمريكية، هي التي تهرب، كما الشيطان من الماء المقدس، من توقيع اتفاقية دولية تحدّ من التسلح في الفضاء. وقد صرّحت خبيرة التسلح الأمريكية، تيريزا هيتشنز، لصحيفة نيويورك تايمز: "يجهد الصينيون والروس منذ سنين طويلة للوصول إلى اتفاقية دولية لمنع انتشار الأسلحة الفضائية. وليس استعراض القوة العسكرية إلاّ تقنية تقليدية من تقنيات الحرب الباردة."
بوش، حاكم الكون الساقط:
نشر مكتب بوش للسياسات التكنولوجية والعلمية في 7 تشرين الأول 2006 ، تقريراً تحت اسم "السياسة الفضائية القومية" موقعاً من قبل الرئيس نفسه. ويؤكد هذا التقرير على أنّ الحكومة الأمريكية سترفض مستقبلاً كل المعاهدات التي ترمي إلى رقابة التسلح الفضائي، والتي يمكن أن تحد من حركة الولايات المتحدة في الفضاء، كما ستمنع الدول التي لا تتصرف وفق المصالح الأمريكية، من استخدام الفضاء البتة. "فحرية التصرف في الفضاء بالنسبة للولايات المتحدة ضرورية لها مثل ضرورة حرية التصرف في الجو والبحار. وستعارض الولايات المتحدة كل الاتفاقات الدولية التي قد تمنع أو تحد من حريتها في الفضاء والاستفادة منه." كما ذُكر في هذا التقرير أيضاً. وقد أكد الناطق باسم مجلس الأمن القومي أنّ الفضاء جزءٌ هام من أمن الولايات المتحدة فيما يتعلق بمصالحها الاقتصادية والقومية والدولية. وتريد واشنطن تهديد الآخرين ومنعهم من المس بالحقوق الأمريكية في الفضاء ومنعهم من تطوير أي تقنيات لخدمة هذا الهدف. وإذا اقتضى الأمر فسيرد أصحاب القرار في واشنطن "بهجوم لمنع استخدام التقنيات الفضائية الضارة بمصالح الولايات المتحدة."
لقد أنفق الجيش الأمريكي مليارات الدولارات على تطوير أسلحة لوضعها في الفضاء، ومنها التقنيات التي تستخدم في الهجوم على أهداف أرضية أو أقمار صناعية معادية. وقد ذكرت تيريزا هيتشنز، مديرة مركز المعلومات الدفاعية في واشنطن، أنّ الاستراتيجية الجديدة "ذات طبيعة أحادية، لأنها تفتح الطريق لاستراتيجيات حربية في الفضاء."
يعتقد بعض المحللين أنّ التجربة الصاروخية الناجحة ما هي إلاّ "تحذير صيني" للأمريكيين ليدخلوا أخيراً في مفاوضات لمنع انتشار هذه الأسلحة. وفي الحقيقة فإنّ تجربة إسقاط القمر الصناعي للأبحاث المناخية والتي قامت بها الصين بصمت مطبق، ما هي إلاّ صفعة قوية في وجه رجال الجيش والأمن الأمريكيين، لأنها تثبت أنّ الصينيين إن لم يكونوا قد أصبحوا الآن، فسيصبحون قريباً قادرين على تدمير أي قمر صناعي يريدون. وهاهي خطط واشنطن للدفاع الصاروخي الفضائي، والتي تعتمد على الأقمار الصناعية، قد أصبحت تقف على أرض واهية. وفي حال صراع عسكري، ستصبح الأقمار الصناعية العسكرية والتجارية الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية واليابانية مهددة، وقد ذكرت مجلة در شبيغل، أنّه "دون هذه العيون السماوية الحادة، ستصبح القوات الحربية الغربية عملياً عمياء." وأضافت المجلة أنّ "لعنة هذا الاختبار الصيني تتجلّى في أنّ رجال الجيش والسياسة الأمنية في واشنطن، سيكونون مضطرين من الآن إلى اعتبار كل صاروخ حديث من حجم مناسب، سلاحاً مفترضاً ضد أقمارهم الصناعية. ما الذي يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة لتردع هجوماً على أقمارها الصناعية؟ لا شيء على الأغلب. إذ من شبه المستحيل حماية قمر صناعي من الهجوم. وحتى لو كان هناك وقت إنذار كافٍ للقيام بمناورة هروب، فإن الأقمار الصناعية لا تحمل عادة ما يكفيها من الوقود لأية مناورات إضافية." (3).
هل يمكن تجاوز الشيء دون اللحاق به؟:
قد يكون ذلك "إشارة قوة" لهذه القوة العالمية الصاعدة. وقد كتب هنريك بورك في صحيفة سوددويتشه تسايتونغ في عددها الصادر في 19/1/2007 : "مرة أخرى تثبت الصين أنها مصممة على التقدم التقني والعسكري لتصبح أخيراً قوةً عالميةً تكون نداً لكل من روسيا والولايات المتحدة." لكن ذلك ليس إلاّ واحداً من وجهي العملة.
لقد أراد الرئيس السابق لجمهورية ألمانيا الديمقراطية – قبل الوحدة الألمانية – فالتر أولبريخت، "أن يتجاوز ألمانيا الغربية دون أن يلحق بها." كان ذلك في شهر آب سنة 1959 ، وقد أصبح ذلك الآن من نوادر التاريخ وغرائبه. أمّا الصينيون فيبدو أنهم يريدون أكثر من "المساواة عسكرياً وتقنياً". لنعد بالذاكرة إلى عام 1992. في ولاية بوش الأب، الذي أنتج لنا الرئيس الحالي الذي يسعى إلى إشعال الحرائق في كل أنحاء هذا العالم، وضعت إدارة التخطيط الدفاعي في البنتاغون، أحد أهم مبادئها السياسية العسكرية: "يجب ألاّ نسمح لأي قوة معادية أن تسيطر على منطقة تكون مواردها وثرواتها الطبيعية كافية لأن تجعل من هذه القوة قوةً عالمية… وهناك أمم أخرى أو ربما تحالفات ممكنة قد تسعى إلى تطوير إمكانيات عسكرية وأهداف استراتيجية في المستقبل البعيد، توصلها إلى سيطرة إقليمية أو عالمية. علينا أن نركز استراتيجيتنا منذ الآن على عدم السماح بصعود أية قوة لتصبح منافساً محتملاً لنا على نطاق عالمي." ولا شك أنّ هذا الموقف يتوجه بالدرجة الأولى ضد كل من الصين وروسيا.
هناك "أسباب ذاتية" تدفع الأمريكيين إلى هذه الاستراتيجية المتطاولة والمتحدّية. ويكفي أنّ الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتوقع أن ترتفع الحاجة الأولية إلى الطاقة عالمياً، حتى عام 2020 ، بنسبة 57% مقارنة بعام 1997 ، وأن النفط سيحافظ على نسبته الحالية 40% بينما تزداد الحاجة إلى الغاز الخام من 4% إلى 26%. ومن المتوقع أن يزداد استخدام مصادر الطاقة المتجددة بشكل كبير بعد سنة 2020. ولكن الاقتصاد الرأسمالي العالمي سيبقى حتى ذلك الحين مرتبطاً بشكل وثيق بهذا "المخدّر الأسود". وهكذا سيبقى "أمن الطاقة وضمان الحصول عليها" أمراً حيوياً للاقتصاد الغربي عامةً وللاقتصاد الأمريكي خاصةً. "فالمطلوب إذن الوصول إلى منابع النفط دون أي عوائق، سواءً كان ذلك بوصول شركات النفط العملاقة مباشرةً إلى حقول النفط واستثمارها أو بضمانات من حكومات الدول النفطية بإمداد مستمر. إلى ذلك فإن ضمان طرق الإمداد أمر في غاية الأهمية بالنسبة للاقتصاد الرأسمالي العالمي."
ومن أجل هذا الهدف بالذات، وضعت وزارتا الخارجية والدفاع الأمريكيتين قبل سنوات عديدة، خططهما لمشروع "الشرق الأوسط الكبير" الخطير، الذي يقضي بوضع منطقة البحر المتوسط والشرق الأدنى وآسيا الوسطى من المغرب حتى حدود الصين والهند، تحت الإشراف الأمريكي الاقتصادي والعسكري. إلاّ أنّ المسؤولين في الإدارة الأمريكية عرفوا مرغمين حدود سلطتهم في مناطق الأزمات في الشرقين الأدنى والأوسط، وفي أفغانستان والعراق ولبنان على وجه خاص. إنّ بعض الخبراء الأمريكيين، ومنهم ريتشارد هاس، الذي كان حتى سنة 2003 مديراً لدائرة التخطيط السياسي في الخارجية الأمريكية، وهو الآن رئيس مركز الأبحاث الهام ‘المجلس الأطلسي للولايات المتحدة’ ، مقتنعون بأنّ الولايات المتحدة ستفقد نفوذها في الشرق الأوسط وأنّ الضرر الذي ألحقته إدارة بوش بالمصالح الأمريكية سوف لن يزول قبل عقود من السنين. وقد كتب هاس في مجلة "فورين أفيرز" في تشرين الثاني الماضي أنّ: "نهاية السيطرة الأمريكية في الشرق الأوسط قادمة لا محالة."
إنّ محاولة إدارة بوش "لبسط سيطرتها على خزانات الطاقة الاستراتيجية في الشرق الأوسط عن طريق الحرب على العراق، وجعل العراق منطلقاً للتغيير القسري وإعادة تشكيل شرقٍ أوسط جديد، يفترض أن يتم إدخاله في مخططات العولمة الليبرالية الجديدة، قد باءت بالفشل. وفي نفس الوقت أصبح هدف المحافظين الجدد، فيما يتعلق بسيطرة الولايات المتحدة على كل مناطق وأقاليم العالم، وهماً لا أساس واقعياً له. إن النصر السريع الذي أحرزته القوات الأمريكية على الجيش العراقي المنهك، أظهر مجدداً تفوق التقنيات العسكرية الأمريكية، ولكنّ عدم قدرة واشنطن على فرض إرادتها والسيطرة على هذا البلد المحتل، أظهر للعالم بجلاء أنّ القوة العالمية الأمريكية لا تقف على أرض صلبة." (4)
أما بكين فلم تخضع للأوهام حول طبيعة السياسة الأمريكية وأهدافها. ودون أن تتأثر بسلوك حكام واشنطن، عمقت الصين علاقاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع بلدان كانت تدور في فلك الولايات المتحدة، كالسعودية العربية ودول أمريكا اللاتينية. "وفي نفس الوقت أخذت المقاومة ضد تعسُف القوة الأمريكية الغاشمة في آسيا الوسطى أبعاداً استراتيجية منظمة. وهكذا انضمت كل من قيرغيزستان وكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان إلى منظمة شانغهاي للتعاون، التي أسستها كل من روسيا والصين، والتي تهدف إلى وضع حدٍ لامتداد الولايات المتحدة في آسيا الوسطى. وإقفال القاعدة الجوية الأمريكية في أوزبكستان في تشرين الثاني 2005، ما هو إلاّ نتيجة مباشرة لهذا الحلف. كذلك الحد من إمكانيات العمليات العسكرية في القاعدة الأمريكية في قيرغيزستان نتيجة أخرى. هذا بالإضافة إلى أنّ روسيا تسعى جاهدةً لضم إيران إلى هذا الحلف أيضاً."
بالإضافة إلى روسيا التي باعت لإيران أنظمة دفاعية جوية حديثة وتساند طهران ببناء مفاعلها النووي في بوشهر، فهناك الصين التي تتعامل بشكل وثيق مع هذا البلد ووقعت معه اتفاقاً لتوريد النفط بمبلغ يزيد على مئة مليار دولار أمريكي. كذلك فإنّ إيران تساهم بشكل رئيسي في البرنامج الصيني لأمن الطاقة على مدىً طويل. ولذلك لا توافق هاتان الدولتان على حرب ضد إيران أو حتّى على تغيير النظام في هذا البلد.
الصين تقسم العالم من جديد:
تستهلك الولايات المتحدة وحدها، بسكانها الذين لا يتجاوز عديدهم ثلاثمئة مليون، وهي "المتعطش الأكبر" للنفط، ما لا يقل عن 897 مليون طن من النفط الخام سنوياً. وللمقارنة فإن آسيا، بملياراتها الثلاثة من السكان لا تستهلك إلاّ 969 مليون طن. وهذا يعني أن الولايات المتحدة تستنفد أكثر من ربع الاستهلاك العالمي، بينما لا يبلغ عدد سكانها إلاّ ما يعادل 5% من عدد سكان العالم. ولكن الاقتصاد الصيني المزدهر يتلهف إلى المزيد من المواد الخام المستوردة. هذا ومن المعلوم أنّ الشرق الأقصى لا يحتوي إلاّ على ما يقارب ستة بالمئة من مخزون العالم من خامات النفط، نصفها في الصين. كما تغطي اليابان حاجتها كاملةً من النفط الخام بالاستيراد من منطقة الخليج بشكل رئيسي. وهكذا فإنّ حاجة آسيا من النفط، تزداد باطراد مع النمو الاقتصادي في الصين والهند واقتصاديات النمور الأخرى في المنطقة. ولهذا السبب تدخل الصين تدريجياً كلاعب أساسي في أسواق النفط ويتضاعف استهلاكها منه. وقد رأت نفسها منذ أواسط التسعينات، مضطرّةً لاستيراد هذه المادة بالإضافة إلى إنتاجها المحلي.
تستورد الصين التي بلغ نموها الاقتصادي العشرة بالمئة في سنة2006 ، حوالي ثلث حاجتها من أفريقية: فالنحاس من زامبيا والمنغنيز من الغابون والخشب من الكونغو والنفط من كل مكان. وقد عبر مسؤول صيني عن نشاطات بلده التجارية بالقول: "إنّ العلاقات بيننا وبين الدول الأفريقية، هي علاقة صداقة بين شركاء. أما الحكومة الأمريكية فتصف هذا السلوك بأنه "مزعج جداً" وتتهم بكين بأنها تقف في طريق نشر الديمقراطية في البلدان ذات الحكم الشمولي ولا تلتزم بحقوق الإنسان."
تتصادم مصالح الصين مع المصالح الأوروبية والأمريكية في أفريقية. ويشكو الغرب من أنّ تعامل الصين السياسي مع الدول الأفريقية هو "تعاملٌ اقتصادي مع الحكام وأهل الثراء ولا علاقة له بمساعدات التنمية." ولكن الصين في الحقيقة قد أعفت أكثر من ثلاثين دولة أفريقية، من الديون جزئياً أو كلياً بمقدار أحد عشر مليار دولار، كما تساهم في حوالي سبعمئة مشروع تنموي وتدرب الألوف في المجالات التقنية والطبية.
"ومع العلاقات الاقتصادية الأفريقية الصينية تزداد أهمية الصين في العلاقات الدولية العامة. وتشكل القارة الأفريقية ربع أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة ولها ثقل واضح فيها." ويؤكد خبير العلوم السياسية، دنيز تول، أنّ "الصين لا تستثمر في الدول التي تستورد منها المواد الخام فقط، وإنما تنتشر نشاطاتها في جميع أنحاء القارة السمراء. وانتقاد الغرب لم يعد موضوعياً، فقد ساهمت الصين في تحسين مستوى البنى التحتية. ولكننا نرى ما هي الشركات العاملة في دول مثل أنغولا ونيجيريا. كما لا نعتقد أن الدول الغربية ستكون محقةً بانتقادها للصين، لأن شركات النفط الكبرى كلها غربية." (5)
الصين هي القوة العالمية الجديدة: يذكر الكاتب والصحفي الألماني المعروف بيتر شول-لاتور، في الصفحات العديدة من كتابه "روسيا بين فكي الكماشة" أنه: "لا يجد لدى الشخصيات المسؤولة على مختلف الأصعدة، إعراضاً صينياً عن البلد المجاور روسيا. وتعتمد الصين بشكل رئيسي على النفط والغاز الروسيين وعلى المواد الخام التي تستوردها من سيبيريا، كما تعتمد أيضاً على الخبرات التقنية الروسية إلى حد بعيد. لا بل أكثر من ذلك، فقد تناغمت بكين وموسكو، في ما سمي المناورة المشتركة ‘السلام 2005’ في الرد القوي على ادعاءات الرئيس الأمريكي الباطلة، وهذا ما كان بالطبع، تدريباً على مكافحة الإرهاب." (6) ضد أي إرهاب؟ الإرهاب الأمريكي؟ على الأقل أيقظت بكين بهذا الأمير الجالس في واشنطن من أحلامه، هذا الذي يتوجه إلى السماء بدعواته طالباً المساعدة في حروبه.
يورغن كاين كولبل ترجمة الدكتور هاني صالح
المراجع:
Feng Yun FY-1 Earth Observation Syste.
Covault, Craig: Chinas Asat Test Will Intensify US-Chinese Faceoff in Space, 21.1.2007
اختبار صاروخ صيني يحدث ذعراً في الولايات المتحدة: مجلة شبيغل 19/1/2007
روب راينر: في المأزق. بداية نهاية الإمبريالية الأمريكية؟ صحيفة يونغه فيلت الألمانية 20.12.2006
كاظم حسنين: السلاح والنفط والصفقات القذرة – كيف زاحمت الصين الغربَ في أفريقية. مجلة شبيغل 16/1/2007